هدى أبلان وشعر الرثاء الجديد ..

الشاعرة التي أعادت ولادة ابنها بالكلمات.

عن مؤسسة «غايا للإبداع» بالقاهرة، صدر مؤخرًا ديوان «كبرج مراقبة نشط: كتاب أحمد» للشاعرة اليمنية هدى أبلان. والديوان الذي يقع في 233 صفحة، يضم قصيدة واحدة طويلة مُقسمة إلى 54 مقطعًا شعريًا منظومًا في إطار قصيدة النثر. ويحتل الديوان الجديد الترتيب الثامن في قائمة أعمال الشاعرة. وكانت أبلان قد أصدرت من قبل سبع مجموعات شعرية هي على التوالي: «ورود شقية الملامح» 1989م، «نصف انحناءة» 1997م، «محاولة لتذكر ما حدث» 1998م، «اشتماسات» 2000م، «اشتغالات الفائض» 2009م، «كي لا تتسع ضحكة الجحيم» 2021م، «كي الأوجاع الرثة» 2022م. غير أنَّ ديوان، «كبرج مراقبة نشط: كتاب أحمد»، ليس كمثله شيء بين أعمال الشاعرة. فهو نسيج وحده. سواء من حيث مناسبته، أو موضوعه. أما المناسبة التي حركت لواعج الشاعرة فهي وفاة ابنها في ريعان شبابه بعد معاناة قاسية مع مرض السرطان. وبالتالي فإن موضوعه هو الرثاء والتذكر والنَدب. وقد ذهبتْ الشاعرة في رثاء فلذة كبدها كل مذهب، فلم تترك شاردة ولا واردة إلا رأتهُ فيها، ورأتها فيه، وتذكرتهُ بها، وأحصتها منذ مولده حتى مماته. دون أنْ نفتقد، في ذلك كله، محاولاتها المستميتة لإعادة الحمل به وولادته لغويًا وشعريًا من جديد. وخلال رحلة الشاعرة في استرداد روح ابنها، ولملمة شتات وجوده من بين أقطار الكون الكبير، استطاعت أن تصنع من نشيدها الشعري الطويل ترياقًا يداوي جُرحها المفتوح، ويُقيم ظهرها المكسور بوفاة بِكرها، وقرة عينها قبل الآوان. ولست أعرفُ، في الشعر، فجيعة مثل فجيعة شاعرتنا، اللهم إلا فجيعة الخنساء في مقتل أخيها صَخْر. ولست أعرفُ في القصيدة الحديثة شاعرًا أو شاعرة استطاعت أن تُحيي فنًا من فنون الشعر القديمة الرائعة كالرثاء مثلما أحيتهُ أبلان، مستعينة على ذلك بصدق التجربة، ومرارتها وتجاوزها لكل تَحملْ. ولو حاولنا أنْ نترجم هذا الكلام بلغة الديوان، فسوف نجد أن الشاعرة، المُقيمة في القاهرة، قد صنعت جغرافيا بديلة خاصة بها: جغرافيا للأحزان. فأما الشوارع والميادين والمستشفيات التي شهدت رحلتهما، الأم والابن، في التداوي من المرض اللعين، فأصبحت مواقع تهيج لها مَدَامع الأم الكليمة، وتدفع ذاكرتها دفعًا إلى الوراء لتسترجع لحظات كفاحهما المريرة ضد المرض. سوف تُسقط الشاعرة، على سبيل المثال، كوبري «جامعة القاهرة» من خريطتها الشخصية بعد أن أصبح يلعب دور مُنبه تستجيب له الشاعرة استجابة شرطية ملؤها الألم. لقد كان الكوبري، فيما مضى، مرتبطًا في ذاكرة الشاعرة بسنوات الطلب والشباب والحب. ولكنه، بعد أن أصبح مَعْبرًا إلى المستشفى التي شهدت رحلة علاج ابنها انقلب دالاً مدلوله الفجيعة والحسرة على فقد كنزها الثمين: تقول: «جئت هذا الكوبري وأنا شابة في ريعان الشعر/ وغسلت عنده ذاتي حيث تنازعتني الهواجس/واشتقت عبوره إلى حديقة أم كلثوم/ وليالي الغناء الدافئة/ ولأنك نمت بجواره عليلاً، وكان ممري اليومي إلى حتفك/ أصبحت أحمل خارطة القاهرة خالية منه/ وإذا مررت صدفة أدس رأسي في قاع يذيب لي أوجاعك كي لا أراها/ صورك الكثيرة عنده لم تجر فيكَ الحياة». وبدلاً من السياحة في «شرم» أو «الغردقة» أو «الإسكندرية»، أصبحت الشاعرة تسوح في «مدافن أكتوبر» حيث يرقد جثمان أحمد، فيالها من سياحة: «لن أسوح في مصر/ لا «شرم»، ولا «غردقة «، ولا حتى «الإسكندرية» الحالمة/ وحدها «مدافن أكتوبر» يا أحمد قبلتي/ حيث يرقد جثمانك الباذخ/ ويبرق توقك للغوص في رطوبة الرمال/... سأروج لهذه المدافن المُلهمة، وأثبت للشعراء أنها أيقونة الخلود/ وأجعل من قبرك ملاذًا للكلمات». على أنَّ الأم المكلومة لم تعد تجد لها مكانًا في الحياة بعد رحيل ابنها، انطفأ بريق الحياة في عينيها، وفقد العيش لذته، ولم يعد أمامها إلا أنْ تلحق به. فهناك يمكن أنْ يلتقيا من جديد. ورسمت الشاعرة، من ثمَّ، عدة سيناريوهات للانتحار. غير أنَّ غريزة البقاء خذلتها، وتركتها تعيش لكن جسدًا بلا روح، ولا رغبة حقيقية في الحياة: «هاهو العدم يدعوني للتحقق/ سأثبت أني أم وشاعرة/ تنسج خلودها من خيوط الفناء/ لن أتشبث بالحواجز/ سأترك جثتي للفراغ / الموت مجرد ارتطام/ صفعات متبادلة بين كائنات الفضاء ودُود الأرض/ سألثم احمرار الموت عليك/ وأدخل تاريخ التلاشي/ ذوبانًا في الروح التي أحب». ولمَّا يئست من اللحاق به، أخذت ترى الوجود من حولها، وكأنه منخرط في رثاء فقيدها رثاءً حارًا لا يقل حرارة عن رثائها له. ولم لا وأحمد كان يحب الجميع، يحبه الجميع؟ لم لا وهو الذي كان يحنو حتى على قطته المنزلية، يداعبها، ويسهر على راحتها إن أصابها مكروه. إنَّ كل شيء، وأي شيء عرفه أو لمسه أو اقتناه أحمد، لابد وأن يرثي غيابه. لابد وأن كل شيء، وأي شيء، لم ولن يعود كما كان بعد اختفائه: «أيتها القطة المنزلية/ هل بكيتِ أحمد؟ / الذي يعبث بشعرك الغزير/ يُخفي دموعًا داكنة/ يغيب فيها النوم/ يسهر لحراسة أحلامك حتى اليوم التالي/ يقظًا يقول لكِ صباح الخير/ ويخبرك أنه ينتظر أيامًا مخيفة تذروها الرياح/ أحمد الذي تأكل جسمه الخلايا، وينحف لدرجة الذوبان/ يرى الظلال ممتدة من الإعياء/ ويغبط قطتهُ على قدرتها على النوم بلا أورام». بل إنها قررت أنْ تعيش حياة ابنها بطريقة ما. فتتقمص شخصيته وتخوض، بدلاً عنه، تجارب الشباب. سواء في الحب، أو في المغامرة، أو في اللهو مع الأصدقاء، أو حتى في الاستماع إلى مطربين مفضلين كعادة الشباب. وهو ما يعكس إلى أي مدى كانت صدمة الفقد فوق احتمال الأم المكلومة، فلم تعد تعرف ما الذي يمكن أن تفعله لتتجاوز محنة موت بِكرها، هو الذي لم يذق، بعد، طعمًا للحياة: «سأعيش بدلاً عنك / مطلع العشرينات / أتقافز خفيفة الظل / وأراسل خطيبتك / متدفقة الاخضرار / وأقهقهُ مع أصحابك / الذين كنت أمشي بجوارهم متجهمة / ربما أصعد دراجة نارية مثلك / وأنسى تآكل العمود الفقري / وأتكلم اللهجة الصنعانية التي تحب / سأرمق خجلاً بنات الحارة / وأحضر مثلك الأعراس والعزاءات والمواقف القبيلة / وأسمع «أصالة» مثلك». ولم يكن الابن الفقيد أقل رثاءً لحال أمه من بعده. وليس مثله يعلم مقدار حبها له، ويحمل هَمْ أمومتها الذبيحة. وهو وإنْ أراد الحياة فليس حبًا فيها وحسب، وإنما حبًا في أمه قبل كل شيء، واشفاقًا عليها من صدمة فقده، ورغبة منه في أن يكون سندًا وعونًا لها على تصاريف الأقدار وتقلباتها في قادم الأيام. يقول أحمد راثيًا نفسه على لسان أمه: «لم أبدأ / في إصبعي خاتم اللهفة / تنتظرني أزمنة التحليق / والرقص بين الغيوم / أمي تجهز اتكاءاتها عليّ / منذ الفرحة الأولى / وهي ترتب المراحل / وتنتظر سيلاً من المسرات تغرق فيه حتى الثُمَالة». تسأل الشاعرة: ما معنى أن يموت ابن الشاعر أو الشاعرة؟ وتأتي الإجابة صادمة. فالشعر، في هذه الحالة، يصبح عاجزًا أمام طوفان الحزن الذي يُغرق الشاعر. وبقدر ما يكون الشاعر «سيد الإحساس»، بقدر ما قد يعجز الشعرُ عن صب هذا الإحساس في دفقات شعرية قادرة على نقل شعوره بالفجيعة. عند هذا الحد الذي يرتفع فيه ترمومتر انفعالات الشاعرة إلى الذروة، تعيد بذكاء ورهافة بَالغينْ قراءة قصة طوفان نوح، عليه السلام، وابنه، ليتحول ابنها، بموته، إلى ناجٍ، وتتحول هي بحياتها من بعده، وبُحرقة قلبها إلى غريق غارق في طوفان حزنه وألمه المُمضين. فَتَنْقلب المصائر، وتتغير الأدوار، ويصبح الناجي غريقًا، والغريقُ ناجيًا، وتكتسب قصة الطوفان بعدًا رمزيًا جديدًا يعيد وصلها بذاكرة الشعر الحديث: «ماذا أفعل بكل هذه الأيام التي ستغرقني وأنا بلا قاربك؟ / انقلبت المعادلة / أنتَ نوح تمضي إلى النجاة / وأنا عمله غير الصالح تتلاطم بي السنون / لا جبل يعصمني من ضجيج فراقك». قريب من هذا المعنى أن تتحول دموع الأم حزنًا على فقيدها إلى نيلٍ موازٍ لنيل القاهرة العظيم. وليس أبلغ من هذا التشبيه يمكن أنْ تقوله أم مفجوعة في ابنها: «سكبت نيلاً موازيًا/ فيه حرارة الرجاء، ومخافة الفقد/ وفيضان الفاجعة». إنَّ ديوان هدى أبلان «كبرج مراقبة نشط» يعيد إلينا الثقة في أنَّ صدق التجربة، وقدرة الشاعر هما الرهان الحقيقي الذي يمكن المراهنة عليه في تجديد الشعر، وضخ دماء جديدة في عروقه، وأنّ الشكل خيار لا يُقدم ولا يؤخر في عيار الشعر الجيد. علاوة على هذا وذاك، فالديوان تجربة جمالية فريدة استطاعت أن تُحيي ما كنا قد تصورنا أنه مات من شعر الرثاء، وأثبتت أن قصيدة النثر قادرة على حمل عبء التعبير عن التجارب الإنسانية في شتى تجلياتها.