«غرباء حميميون» لعزيز محمد ..

من جغرافيا الخبر إلى جغرافيا العزلة .

رواية الأديب السعودي عزيز محمد «غرباء حميمون» تنقل القارئ بحميمية المدن المحببة والأماكن التي نرتبط بها ومعها، لنتورط في تاريخنا الشخصي. وكم هو باهٍ أن يتباهى امرؤ بمدينته ومبانيها وعمارتها وطباعها ومزاجها، والأبهى أن ينقد نواقصها وعيوبها، لتتطور. عزيز يمسك بخريطة الخبر ليُشرِّحها، ويورط قراءه معه في تاريخ البطل الذي يحرك بوصلة الرواية بسرديتها، البطل المعلول الذي يُعلّق خيباته وآماله وكسوره وجراحه على شماعة يسهل الانزلاق إليها: تربية والديه، ونشأته في الطفولة وبداية الشباب. محمد، المهندس المعماري، رجل يخشى الطمأنينة والمسرة، كأنها فخ، ويستقبل السعادة بريبة من اعتاد انكساره، تصفه زوجته بالمتصلب، ويصف هو نفسه بأن لديه: اعتلال في مواجهة الحياة»، وراء هذا التصلب ماضيه طفولته أمام أب شديد الغضب عليه وعلى إخوته، عنيف في تربيته، وأم صامتة أمام ما يسكبه الأب من عنف، وأخت شابة تهرب إلى الخارج، وعائلة تتواطأ على قانون الصمت: ما يحدث في البيت يبقى فيه، حتى حدبة ظهره يعيدها إلى ركضه المتواصل هربًا من والده، كأن جسده نفسه وثيقة اتهام وإثبات يحتفظ بها ضد طفولته. وهنا تبدو الرواية قريبة من القراءة النفسية البطيئة التي تجعل الطفولة مفتاحًا بالغ السطوة لتفسير ما يؤول إليه الصغار حين يكبرون، وهو مدخل يذكّر، وإن لم تكن الرواية أطروحة فرويدية، بالإرث الفرويدي الذي أعاد كثيرًا من اضطرابات الإنسان إلى سنوات التكوين الأولى وعلاقته بوالديه. لكن هذه العدسة، حين تتحول إلى تفسير مكتفٍ بذاته، تستحق الاعتراض، فالطفولة تترك أثراً عميقاً، والتنشئة قد تصنع الخوف وآليات الدفاع وأنماط التعلق، لكنها لا تمنح الإنسان مفرًا من مسؤولية ما يصنعه بعد ذلك. نحن أبناء ما حدث لنا، وأيضاً أبناء اختياراتنا واستجاباتنا وما فعلناه بما حدث لنا، والحق أن هنالك شريحة واسعة ممن يعتنقون فكرة إرث الطباع والخصال والصفات وردود الأفعال بل والمستقبل الناتج عن طفولتهم ووالديهم. بطل الرواية محمد لا يكفّ يتذكر أباه، ويبني هويته على مقاومته، وحين يتذكر تغير الأب وضعفه وتناوله للأدوية المهدئة، يشمئز وينفر مما يتذكر ويتذكر اشمئزازه حينها، حتى يخفت غضبه مع شيخوخة والده، التي لا يجد معها راحة بل مزيداً من النفور حد عدم بكائه في عزائه، أكان محمد بحاجة لبقاء والده حياً في ذاكرته كي تبقى سرديته عن نفسه متماسكة وحاضره مبرراً؟ ومتى يكون استحضار الجرح فهمًا للذات؟ ومتى يتحول إلى وسيلة هرب تعفينا من مراجعتها؟ تأتي زوجته عائشة، الأكثر تصدعًا منه، تحمل وصمة عائلية مرتبطة بأخيها المتهم في تفجيرات الخبر عام 1996، وتدخل الزواج بتاريخ لا تتحدث عنه، تعاني الاكتئاب، ويستولي التنظيف والتعقيم على ساعات يومها، وتضع سماعات الأذن لتعزل نفسها عنه مع سبق الإصرار والترصد، لتعيد نمط «مشاكل الكبار التي سببتها طفولتهم»، ليعيش معها البطل في ذات البيت ولا يعرف عنها شيئًا، لا حول حاضرها ولا ماضيها، لا يدور بينهما نقاش ولا فكرة ولا فضول متبادل يفتح نافذة على دواخلهما، تخبره بما يحتاجانه وقلما يراقبها من بعيد، وينصرف كل منهما لشؤونه. أقرب لعلاقة زوجية موجودة في الأوراق والمكان والفراش، وهذه أكثر مناطق الرواية إيلاما، زوجان يعيشان معًا ولا يعرف أحدهما الآخر، لا خصامًا صاخبًا يعلن انهيار الزواج، ولا صمتًا يطعنه، بل إن البطل يحاول مرارًا إقناع نفسه بجمالية الصمت ووده بينهما، ومن هنا تظهر دقة العنوان «غرباء حميمون»، حميمية جغرافية مكانيًا، قرب الأجساد، وتقارب الأشياء، والمسافة النفسية الشاسعة لغريبين. ويمكننا فتح سؤال اجتماعي معاصر حول هذا النوع من العلاقات: لماذا يتراجع بعض الشباب عن الزواج؟ الأسباب الاقتصادية وتغير أنماط الحياة والتوقعات الجديدة حاضرة، لكن صُور الزواج التي يشاهدها الجيل ويستمع إلى حكاياتها عامل يستحق التفكير. أنماط الزواج متعددة، والعلاقات الصامتة أحدها، علاقة تستمر سنوات لأن بنيتها الخارجية قائمة، فيما ينعدم فيها الحضور الإنساني، ويغيب فيها التعامل الودود والمحب. ليحتل الخوف من مؤسسة يُتخيل أنها تمنح سقفًا وشريكًا، وتسلب في المقابل إمكانية أن يكون الفرد مفهومًا ومرئيًا المشهد الاجتماعي. مع حمل عائشة «الزوجة» تبلغ الغربة النفسية ذروتها لدى الزوجين، وتحتل الرغبة في الإجهاض الهوة بينهما، تغلق جائحة كورونا منافذ السفر، قبل أن تقرر أن تنهي حياتها بمحاولة الإجهاض وسط تدهور حالتها النفسية، وهي التي تعاني الاكتئاب، المأساة كشفت فداحة ما سبقها: كيف يمكن لإنسان أن يعيش بجوار إنسان كل هذه السنوات ويبقى مجهولًا؟ وكيف يتحول البيت للمساحة الفاصلة بين اثنين والمساحة الحاوية لعزلتين؟ يجدر بنا الوقوف على المكان، وللمكان في الرواية وظيفة تتجاوز الخلفي، فالبطل المعماري، الذي ورث هوس العمارة من أبيه! جعل الروائي عزيز محمد الخبر شخصية موازية لشخصيات الرواية، البيوت والشوارع والمباني والمقبرة لا تُعد ديكورًا سرديًا، إنها طريقة البطل في فهم العالم، وهو يهرب من مكان إلى مكان، بذاته العليلة، والأكثر لفتًا للنظر البيت صممه لزواجه، بما فيه من جمالية الطين وذكاء توظيفه، يكاد يؤنس الزوجين ويسد بعض فجوات علاقتهما غير أن المكان لا يكفي ولا يُفلح، ينشغلان بالمكان بدل أن ينشغل أحدهما بالآخر، عمارة تعوض نقص القرب وشرخ المسافة ولا تعالجها. لتلتقط الرواية سؤال الجمال المعماري في مدننا: عمارة تتأرجح بين حاضر يستعير نماذج غربية لا تشبه بيئته، وماضٍ معماري غني لا يوظّف منطقه وجمالياته بما يلائم حاجات الحاضر، ولذلك تبدو مهنة البطل أكثر من تفصيل روائي: حقيقة أنه قادر على رؤية خلل المبنى والتفكير في علاقة الإنسان بمسكنه، وهو عاجز عن قراءة تصدعات نفسه وعلاقاته وخاصة زوجته! أتُعمِّر الجدران يا محمد وتترك العلاقات للمقابر؟ قد يؤخذ على الرواية شرود بطلها واستطراده من حدث على وصف شارع أو مبنى أو ذكرى، لكن أحسب أن وقوع الرواية في رأس البطل، يبرر ويسمح بالقول أن تيار وعيه « سرديته» مبرر، ويسمح بهذا التشظي، لأن الذهن نفسه لا يسير بخط مستقيم، كما أن احتلال البيوت والعمائر والمقبرة حيزًا كبيرًا أحد نقاط قوة لشخصية هذا المعماري الجامح في مهنته، الذي يرى العالم عبر الفراغ والكتلة والمادة والواجهة والمواد وتيارات الهواء وانكسارات ضوء الشمس عبر النوافذ. تُسائل هذه الرواية فكرة النجاة، بعد مغادرة بيت الأب والأم، وبناء البيت الأجمل كما يُتخيل، وبعد الزواج الانتقال الناقص ضرورةً، لتحيك اللغة التي يحمل من خلالها وعينا فهمه للأذى، ليبرر نفسه لنفسه. وفي النهاية هي رواية عن الأعطاب التي نحملها، وتجعلنا نسأل ماذا نفعل بهذه الأعطاب؟ يمكن للطفولة أن تُفسر اعوجاجًا، لكنها لا تحكم باستحالته على الإصلاح، ويمكن للبيت أن يكون بالغ الجمال، فيما يعيش داخله غرباء، وربما المفارقة الأكبر والأشد وجعًا أن محمد عرف كيف يصمم بيتًا يؤنس ساكنيه، ولم يعرف كيف يبني بينه وبين المرأة التي تسكنه معه ممرًا واحدًا فكان لهما مسكن ولم يكونا سُكنًا لبعضهما.