ساهم في رسم مخطط النهوض للمسرح في المملكة

فهد رده الحارثي واحد ممن سبقوا النقاش إلى وضع المبادئ الرئيسية للأفكار الجمالية / الخلقية، ما ساهم في رسم مخطط النهوض للمسرح في المملكة بعيداً من كل المعوقات المدمرة. لا علاقة للأمر بالتدريب الصارم، بل بإشاعة الروح، روح المحاكاة، بحيث تحقق الخير المطلق مع مجموعة من الأسماء المبرزة في مجالات المسرح، في شجاعة حفزتها المقاطع السابقة، مقطع وراء مقطع. عباس الحايك، إبراهيم الحارثي، ياسر مدخلي، سامي الزهراني، سامي الجمعان، أحمد الأحمري، جمعان رويجح الذويبي، وغيرهم. شارك فهد الحارثي في إلحاح المطالب الرئيسية على فضاء الطبقات العديدة في الثقافة المسرحية في المملكة العربية السعودية. وهذا منجز، من منجزاته في دمج علم الجمال في الإدراك. لم يبالِ الفهد بشيء وهو يزود عالمه بما يحتاجه. برنامج مما يفي المسرح حضوره. مسرح يشجع على حضوره. منجزات الحارثي لا تهدأ. ثمة منجزات أخرى. منجز آخر هو مفهوم نسق الفن المسرحي عنده. لأنه أقام مصوغاته المعيارية على مفهوم أن المراكمة تطبيق لقواعد المأسسة. كل مسرحية حجر. مسرحية على مسرحية، حجر على حجر. لا حاجة إلى أطراف الملاحظات في المجال هذا. لأن وراء الفهد منهجاً مؤهلاً من خلال تدرج التأليف إلى مواقعه المدهشة، لا على صعيد العدد فقط، بل على صعيد تداخل الإدراك المكثف (الإدراك باستمرار) في إبداع المسرح بطرقه الخاصة. لا مقدمات. هكذا يظهر الأمر مع عشرات المسرحيات، من حالة قلق وعصف، إلى الفنار، البروفة الأخيرة، الناس والحبال، الجثة صفر وغيرها. لا صفر في مسيرة هذا الرجل. تشابك، البابور، تنصيص. المسرحية منجز. المسرح، مسرحه، منجز، لأنه لا يزود المسرح بالأفكار فقط، لأنه زود المسرح بالإلهامات. تصميماته تحفل بالكرم. كرم مؤدب، كرم تشكيلي. لأن النصوص تتقصى أوصافها التشكيلية وراء كلماتها وجملها ومقاطعها. حيث إن نصه يؤكد أن صناع الكلام يعرفون أن البناء على الكلام وحده يبقى عاجزاً عن القبض على الهدف المنشود. كريم إذن، حتى إذا أوجز. وهو موجز. ولكنه كرم إذ يقود إلى مولد الدراما، يقود من ثم إلى ملامسة الجمال من خلال الكثافة والتكثيف. صنع الرجل مسرحاً من الكرامة، من الدعوة إلى التعرف بها، بعيداً من القيم الشكلية المحضة والقيم الواطئة للتاريخ. مسرحه نظرته إلى الحياة، يقول من خلاله موقفه من الحياة نفسها بالنمنمة وتثبيتها، من اختيار المادة إلى توقيفها في أجزاء الجدل الواسعة لا الموسعة. ثمة فرق بين الاثنين. مسرحه موجود في عقله، في شبحيته الشخصية، في إمكاناته واحتمالاتها. مسرح تفاصيل في منظور مؤثر يعيد تأليف الحياة في رؤية مركبة من الإدراك والبصيرة والحلم في تصارع نفسه مع نفسه. وهي نفس الفنان في مجتمعه والعالم. هكذا، أنتج فناً من خلال النصوص، منظماً، منضبطاً يحترم الفوضى في الانضباط، لأنه يرى فيها نظاماً معقداً لم يكشف العالم أسراره بعد. مسرح الفهد، تراكب رؤى من مزيج من الحالات العاطفية والفكرية داخل النفس. نفس فنان. نفس إنسان. هكذا، أنجز تقدمه عن طريق الاستمرار في تكثيف العالم في مسرحه، بحيث حثه ودفعه دوماً للتساؤل عن الوضع الإنساني وأمراض المجتمع في عصره، باستيعاب المسائل الإنسانية الكبرى. التساؤل لا الاستسلام. *ناقد وباحث ومسرحي- لبنان