حرف المسرح وسرّ المحبة

لم تكن التهاني التي انهالت على فهد رده الحارثي عقب فوزه بجائزة أفضل نص مسرحي عن مسرحية «الناعشون» في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي مجرد احتفاء بجائزة جديدة، فقد بدا المشهد أكبر من ذلك بكثير، احتفاءً بمسيرة، ووفاءً لتجربة، ومحبةً لرجل استطاع خلال أكثر من خمسة عقود أن يترك بصمته في المسرح السعودي والعربي، كاتباً ومفكراً ومسرحياً وإنساناً. ومع هذا الاحتفاء، يعود السؤال الذي يرافقني كلما حاولت الكتابة عن فهد، كيف يمكن للكلمات أن توفي هذا الفنان الإنسان حقه؟ ربما لو قُدّر للكتابة المسرحية أن تتجسد في هيئة بشر، لكان اسمها فهد رده الحارثي. ظل هذا التصور يرافقني منذ سنوات، وتحديداً عندما أسندت إليّ مهمة إعداد كتاب عن مكرّم المملكة العربية السعودية في مهرجان المسرح الخليجي للفرق الأهلية بالرياض، مع الصديق الأستاذ جمال اللهو. كان السؤال يومها، ما العنوان الذي يمكن أن يختصر هذه التجربة؟ وبعد بحث طويل، لم أجد عنواناً أقرب من «حرف المسرح». فالحرف هو البداية، والركيزة الأولى التي تُبنى منها الكلمات والجمل والمعاني، وهو حاضر أيضاً في حروف اسم فهد (حارثي، رده، فهد)، لكن المعنى الأعمق أن فهد نفسه كان وما يزال أحد الحروف الأساسية التي تكوّنت منها جملة المسرح السعودي الحديث، كاتباً ومسرحياً ومثقفاً وإعلامياً وصانعاً للتجارب والأجيال. فهد رده الحارثي أحد أبرز الأسماء في الكتابة المسرحية السعودية والعربية، نصوصه لا تقف عند حدود الصفحة، بل تواصل حياتها فوق خشبات المسارح، حاملة أسئلتها الإنسانية والفكرية إلى جمهور متنوع في مدن ودول عربية مختلفة، في كتابته قدرة خاصة على بناء عوالم فكرية ونفسية تستدعي الاجتماعي والحضاري إلى أعماق النفس البشرية، في صياغة تجمع بين السحر والجاذبية وعمق السؤال. لكن فهد ليس مجرد كاتب مسرحي، فهو مكوّن رئيس في الوسط الثقافي والإعلامي والمسرحي السعودي، وإعلامي متميز، ومن أوائل من أسسوا صفحة خاصة بالمسرح في الصحافة السعودية، كما أنه أحد المؤسسين لورشة العمل المسرحي بالطائف وفرقة مسرح الطائف، وصاحب أثر ممتد في صناعة التجربة المسرحية السعودية وترسيخ حضورها. أما نحن، أبناء ورشة العمل المسرحي وفرقة مسرح الطائف، فلنا مع فهد حكاية أخرى، فقد استمتعنا بالمسرح معه، واجهنا الصعوبات معه، نجحنا معه، فكرنا معه، صنعنا أحلامنا المسرحية معه. لم يكن فهد الحارثي مجرد قائد للتجربة أو كاتب لنصوصها، بل كان حاضراً في تفاصيل الرحلة، في لحظات التعب والفرح، في الأسئلة التي واجهتنا ونحن نحاول أن نتمسك بالمسرح ونؤمن بمستقبله. ولعل هذا يقودنا إلى السؤال الأهم، ما سر المحبة الكبيرة التي يحظى بها فهد الحارثي؟ ربما انكشف السر بوضوح أكبر مع الاحتفاء الأخير به، فالتهاني التي ملأت الوسط الثقافي والإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي لم تكن احتفاءً بجائزة فحسب، بل كانت احتفاءً برجل وتاريخ وتجربة. فهد يجمع بين التواضع والصدق، اللطف والثبات، البساطة وعمق التجربة، لا يدّعي الكمال، لا يسعى إلى أن يكون محور الاهتمام، لكنه يترك خلفه أثراً إنسانياً جميلاً يجعل الآخرين يتذكرونه بالمودة والتقدير، إنه من أولئك الذين يمنحون من حولهم شعوراً بأنهم مهمون، ولذلك أصبح هو مهماً في أعين أصدقائه ومحبيه. عرفته كريماً، شهماً، متواضعاً، خلوقاً، صادقاً وصدوقاً، هذه ليست شهادتي وحدي، بل حقيقة تتكرر في حديث كل من عرفه عن قرب، صديق يراعي الجميع، أخ يهتم بأحوال من حوله، ويعيد إليهم الأمل عندما تضيق بهم الظروف. أما الجائزة الأخيرة، فلا يمكن أن تختصر خمسين عاماً وأكثر من العطاء في الكتابة والفعل المسرحي، لكنها جاءت شاهداً جديداً على مسيرة طويلة من الإيمان والإصرار. فالفوز بجائزة أفضل نص مسرحي عن «الناعشون» ليس مجرد تتويج لنص، بل تقدير للكلمة المسرحية حين تصدر عن تجربة واعية بتاريخها، ومتصلة بأسئلتها الإنسانية، وقادرة على العبور من المحلي إلى فضاءات أرحب. لقد علّمنا فهد أن الصعوبات ليست نهاية الطريق، وأن الإصرار على الفكرة جزء من الإيمان بها، علّمنا الصمود والتمسك بالمسرح، وألا نعود إلى مربعنا الأول كلما اشتدت الظروف، ربما لهذا يصبح الصعب سهلاً عند فهد، ليس لأن الطريق بلا عوائق، بل لأنه يمتلك القدرة على تحويل الصعوبات إلى محطات في رحلة لا تتوقف. فهد عالم من الحكايات، وربما كان الأقدر على وصف هذا العالم حين قال: «الحكايات تنمو كما ينمو الشجر، بعضها يزهر، وبعضها يثمر، وبعضها شوك عميق الجرح، وبعضها يموت، وبعضها يولد، وبعضها يعمر ألف سنة». فمن يجرؤ على كتابة هذا الفهد الممتلئ بالحكايات؟ ربما لا نستطيع أن نحيط بهذه التجربة في مقال، ولا أن نختصر تاريخاً طويلاً في جائزة، لكننا نستطيع القول إن فهد رده الحارثي لم يكن مجرد اسم في سجل المسرح السعودي، بل كان أحد حروفه الأساسية، الجوائز مهما عظمت، تبقى محطات في الطريق، أما الجائزة الأجمل التي حصل عليها فهد، فهي تلك التي لا تمنحها لجان التحكيم ولا تصنعها المهرجانات «محبة الناس». لهذا، ربما لم يعد السؤال: كيف نكتب عن فهد رده الحارثي؟ بل: كيف نختصر في الكلمات رجلاً كان، ولا يزال، حرفاً من حروف المسرح وسرّاً من أسرار المحبة؟ *مسرحي سعودي