الكاتب الذي كتبنا.
في تجربة الكاتب المسرحي فهد ردة الحارثي لا يبدو المسرح مجرد خشبة تعبرها الشخصيات، ولا النص حكاية تُروى ثم تنتهي بانطفاء الضوء، فالمسرح لديه مساحة للسؤال والقلق والبحث، ومختبرٌ تتقاطع فيه الذات مع المجتمع، والواقع مع الحلم، والمألوف مع الغريب. ومن هذا المنظور تشكلت تجربة امتدت لعقود، جعلت الحارثي واحدًا من الأصوات البارزة في الكتابة المسرحية السعودية، وأكثرها انشغالًا بالتجريب والبحث عن لغة مسرحية تتجاوز المباشرة. تكشف حصيلة الحارثي عن كاتب غزير الإنتاج ومتعدد المسارات. لكن أهمية هذه التجربة لا تكمن في عدد النصوص وحده، بل في قدرتها على التحول والبحث المستمر عن شكل مختلف للقول المسرحي، وكأن الكتابة لديه ليست وصولًا إلى صيغة نهائية، وإنما محاولة دائمة لاكتشاف إمكانات جديدة للخشبة. وفي قلب هذه الكتابة يقف الإنسان خائفًا، حالمًا، مرتبكًا، باحثًا عن ذاته وعن معنى وجوده. شخصيات الحارثي لا تتحرك داخل أحداث خارجية فقط، بل تحمل صراعاتها في داخلها. ولهذا يصبح الحوار وسيلة للكشف والمواجهة، وتتحول الكلمات إلى علامات على ما تخفيه الشخصية بقدر ما تعلن عنه. إننا أمام مسرح لا ينشغل كثيرًا بتقديم إجابات جاهزة، بقدر ما يضع الإنسان أمام أسئلته: من نحن؟ عمَّ نبحث؟ وما الذي يمنعنا من رؤية الحقيقة حتى عندما تكون قريبة منا؟ والتجريب عنده ليس زخرفة شكلية، بل جزء من رؤيته إلى وظيفة المسرح. فهو يستفيد من المفارقة والصورة والحركة والإشارة، ويترك للنص قابلية لأن يُعاد اكتشافه فوق الخشبة. ولذلك يمكن النظر إلى أعماله باعتبارها نصوصًا مفتوحة على العرض والتأويل، لا نصوصًا أدبية مغلقة على صفحات الكتاب. وربما يفسر ذلك اهتمام الدراسات الأكاديمية بتجربته من خلال البحث في البناء الدرامي والرمز والحوار والعلامات غير اللفظية. ولا يمكن فصل الكاتب عن الناقد والمثقف في شخصية الحارثي. فإلى جانب نصوصه، كتب عن المسرح السعودي وقضاياه، وظل مشغولًا بالسؤال عن شروط تطوره. فالمسرح، وفق هذه الرؤية، لا يمكن أن يعيش طويلًا اعتمادًا على حماس الأفراد وحده، إنه يحتاج إلى فضاءات للعرض، وتدريب مستمر، ومؤسسات تحتضن التجارب، وبيئة تسمح بتحويل النشاط المسرحي إلى فعل ثقافي مستدام. لم يكن الحارثي مشغولًا بمجده الشخصي، بل كان حريصًا على نقل تجربته، وقد استفاد منه العديد من أبناء الجيل الحالي، فلا توجد منطقة في المملكة لم يقدم فيها ورشة للمسرحيين، ولم يتوانَ في الوقوف مع الشباب ودعمهم، من خلال التدريب، ومن خلال منحهم نصوصه بالمجان لكي يقوموا بإخراجها. فهد الحارثي اسم مغرٍ للعديد من الباحثين، لما يتميز به من غزارة في الإنتاج على مستوى التأليف، والتنوع في أساليب الكتابة، وتعدد القضايا التي يتناولها من خلال نصوصه، لذا نجد العديد من الدراسات التي تناولت نصوص الحارثي على مستوى الباحثين السعوديين والعرب، وأصبحت نصوصه محل اهتمام المراكز البحثية والمعاهد المتخصصة. لهذا تبدو تجربة فهد ردة الحارثي أكبر من مجموعة نصوص أو عروض متفرقة، إنها رحلة طويلة في البحث عن مسرح سعودي يمتلك صوته الخاص دون أن يغلق أبوابه أمام التجريب والأسئلة الإنسانية الكبرى. وبين الإنسان والرمز، وبين الكلمة والخشبة، ظل الحارثي يكتب المسرح باعتباره سؤالًا مفتوحًا؛ سؤالًا لا تنتهي مهمته عندما تُسدل الستارة، بل ربما يبدأ أثره الحقيقي بعد أن يغادر المتلقي مقعده. فوز فهد بجائزة أفضل نص في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثالثة والثلاثين، ليست جائزة لفهد وحده، بل هي جائزة للمسرح السعودي الذي ظل طوال سنوات هذا المهرجان يقدم عروضًا مختلفة ومن مناطق متعددة في المملكة، لتكون هذه الجائزة هي الأولى للمسرح السعودي في هذا المهرجان المهم، وتأتي كتكريم مستحق لكاتب مختلف، تميز بحبه للمسرح السعودي، والوقوف في وجه كل التحديات، وإيمانه التام بأن المسرح جزء مهم من هذه الحياة. *إعلامي وناقد ومخرج مسرحي متخصص في الدراما والنقد المسرحي