علامة فارقة في مسيرة المسرح العربي
لا شيء سيبقى سوى النص المسرحي! لا شيء تمامًا.. ستتلاشى العروض وتتوارى أنفاس المخرجين الأفذاذ، وتتوقف أرواح الممثلين عن أصواتها باذخة المعنى، وتنطفئ الإضاءة، ولكن روح الكاتب المختلف ستظل حية لا تتوقّف عن ضوئها، فللكلمة سحرها وسر بقائها بقوة تأثيرها... وهكذا.. حين تُفتح ستارة المسرح إيذاناً بابتداء العرض، وتتوارى العتمة خلف جمال الضوء، يتأتى للمسرح أن يُعيد خلق العالم من جديد بجمال الكلمة وعظمة الصورة.. على هذه الخشبة الغارقة بالروح والتراب والزمن، حيث تتداخل خطى الشخوص مع أنفاس الكاتب، يقف النص المسرحي بوصفه الوثيقة الأولى للوجود والدهشة والحب والأمل. وفي هذا المناخ الساحر الذي يمزج بين جلال الورق وسطوة الفضاء، يبرز اسم الكاتب المسرحي السعودي فهد ردَّه الحارثي ليحفر في ذاكرة المسرح السعودي بشكل خاص والعربي بعمومه أثراً لا يُمحى، متوِّجاً مسيرته المضيئة بفوزه المُستحق بجائزة النص المسرحي في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 2026م عن نص الناعشون. لم يكن فهد ردَّه الحارثي عابراً في سماء المسرح السعودي، بل كان صانعاً لملامحه ومؤسساً لخطابه الجمالي. لقد حمل على عاتقه همَّ الكلمة المسرحية، وغاص في طبقات النفس البشرية مستنطقًا مخاوفها وأحلامها عبر لغة تتأرجح ببراعة بين فصاحة البناء وعمق الدلالة. في نصوصه.. لا تقتصر الخشبة على كونها مكاناً للاستعراض، بل تتحوَّل إلى محكمة للضمير، ومختبر إنساني تتصادم فيه الأسئلة الكبرى حول الهوية والوجود والزمن. إنها تجربة كتابية تستبطن الموروث وتستشرف الأفق، قوامها التمرد الواعي على القوالب الجاهزة، والاشتباك الخلاق مع أسئلة العصر، مما جعل الحارثي صوتًا متفَرِّدًا يتجاوز محليته ليلامس وجدان المتلقي العربي والخليجي بأسره. لقد أسهم الحارثي بحضور فاعل ومؤثر في إثراء الحركة المسرحية السعودية، مانحاً إياها بُعداً نصياً رصيناً يوازن بين التجريب الفني والاشتباك الاجتماعي. ولم تقف إسهاماته عند حدود التأليف الفردي، بل امتدت لتكون رافداً أساسياً من روافد الوعي المسرحي في المنطقة، حيث فتح بوابات واسعة أمام الجيل الجديد من المسرحيين ليعيدوا اكتشاف سحر الكلمة المكتوبة بحبرها الحقيقي. وحين يلتفت المرء إلى مجمل تجربته، يرى فيها مسيرة طويلة من الوفاء لأبي الفنون، بذل فيها الكاتب وعيه وروحه ليظل المسرح السعودي حاضراً بقوة في المحافل الكبرى. وجاء هذا التتويج الجديد في مهرجان القاهرة التجريبي ليكسوَ التجربة بهاءً فوق بهاء، وليؤكد أن النص المسرحي السعودي قادرٌ على اختراق الحدود وفرض حضوره في عاصمة الثقافة العربية. إن فوز الحارثي ليس مجرد احتفاء بجائزة عابرة، بل هو احتفاء بالكد المعرفي، وبالإخلاص الطويل للخشبة، ولسهر التفكير وشحذ الخيال وبناء الوعي، وبتلك القدرة الفريدة على تحويل الحبر إلى أرواح تسعى على الأرض... ومن روح نصوصه المسرحية التي اشتعل فتيل جمالها على خشبات المسارح السعودية والعربية.. نجد في (المحتكر والبابور) قد غاص فهد الحارثي في لجج النفس البشرية، مراوغاً شبح (حالة قلق) على حافة (تشابك) المعاني. وحين أقبل (عندما يأتي المساء)، نسج خيوط (عنترة أسطورة الحب والحرب) ببطولة تنبض بالحنين، متسائلاً بلهفة (يا ورد مين يشتريك) وسط واقع (يوشك أن ينفجر) دهشةً وإبداعًا وألقًا، وتأتي أخيرًا مسرحية (الناعشون) لتؤكد قلقه المتواصل، وقراءة لثنائية الموت والحياة بأسئلتها الكبرى، وهي أسئلة تشير بدقة لتحذير الكاتب من عالم تسجنه التقنيات بشكل كبير، وتثقل روحه مشكلات الحروب واستلاب الإنسان. ومن هنا.. يبقى فهد الحارثي علامة فارقة في مسيرة المسرح العربي، كاتباً أدرك أن النص المسرحي ليس حبراً على ورق، بل هو رهان على الحياة، ونافذة تطل على سحر الأبدية. تحيةً لهذه الخشبة التي تنطق بلسانه، ولهذا القلم الذي لم يزل يكتب وجع الإنسان وأمله، مرصعاً وجه المسرح السعودي بأكاليل من الفخر والجمال. *كاتب مسرحي عراقي