تجربتي في فضاء القصة القصيرة
للنشأةِ القروية أثرُها في التكوين، فإن كانت قرويةً وجبليةً كان الأثرُ أجلى، قريةٌ جبليَّةٌ تتشابَهُ فيها الأيامُ والوجوه، وتتراوحُ الحياةُ بين الزراعةِ والرعي؛ قَلَّما ينعم الصغار فيها بترف رواية القصص، أو الاستماع إليها. نشأةٌ قرويةٌ هادئةٌ، أورثتْ التصالحَ مع الظروفِ، والرضا بالممكن، والحذرَ من اقتحامِ العوالمَ الجديدةِ، والانشغالَ بالذاتِ؛ ما أفسحَ المجالَ للتأملِ، والشعورِ العميقِ بلذةِ الجمال، وتذوقِ الفنونِ، وصحبةِ الراديو في نهاراتِ المزارعِ والمراعي، والأنسِ به في ليالي السطوح الهادئة، حيثُ لا ضوءَ، ولا ضوضاءَ، ولا سقفَ يحجبُ عنكَ السماء. في الثالثةَ عشرةَ فارقَ الصبيُّ قريتَه للدراسةِ؛ غيرَ منفصلٍ عنها، ولا مجتوٍ طبائعَها، يقاومُ الوِحْدةَ والاغترابَ بالقراءةِ وكتابةِ الخواطرِ. كانت صورةُ المعلمِ في وجدانِه ساحرةً؛ فلما تحققَ أصبحَ معلمًا أدركَ أنها صورةٌ من صُنعِ خيالهِ، فسعى في مدارج الخيال، وخادنَ الكُتُبَ، وضَرَبَ مع المجلاتِ الثقافيةِ، والملاحقِ الأدبيةِ موعدًا لا يُخلفه.. يستطيعُ أن يقول مطمئنًا: “أنا شخصٌ لا يجدُ في الوِحْدَةِ أيَّ ألمٍ.. فلديَّ دائمًا أشياءُ لأفعلَها وحيدًا”، كما قال: هاروكي موراكامي. ربما يكون للشخصية المنطوية نزعةٌ نحو إعادةِ سردِ الحكاياتِ العابرة، وربما تكون الكتابةُ تعويضًا عن قلة الكلام، جاءَت في شكلٍ سرديٍّ مضفورٍ من الواقع والخيال، ينزعُ إلى مناجاةِ الذاتِ، ونبشِ مخاوِفِها. ولا شكَّ أن الحساسية تجاه أشكال الجمال غَذَت النزعة القصصية، وأيقظت الحواس، ونشطَّت المخيلة. القصة الأولى: لقاء تَمُرُّ بِهِ لحظاتُ الانتظارِ ثقيلةً؛ يتململُ، يرمقُ الطريقَ، يكادَ يلفُّهُ اليأس، ويثنيهِ عن لقاءٍ لا يعرفُ أسبابَهُ ولكنَّه يتوقَّعُ نتائجَه! أقبلتْ متبخترةً زاهيةً.. رمقتْهُ، فبدَّدتْ صرختُها الظلامَ من حولِه. تملَّكَهُ شعورٌ بالخوف، حاولَ الفرار، سدَّتْ عليه المنافذ، باعدتْ بين ذراعيها وتنهدتْ، ارتمى على صدرها.. أخذا جانباً من الطريقِ وسدولُ الليلِ مَرْخيَّةً عليهما، وعندما مزَّقتْ الشمسُ حُجُبَ الليل، رأى الناسُ إلى جوارِ الطريقِ جملاً يعانقُ سيارَةً، وبينهما سائقٌ ذَهَبَ به عُنْفُ اللقاء. هذه قصتي الأولى التي صافَحَتْها أعينُ القراء عَبْرَ مُلحقِ الأربعاء؛ بصحيفة المدينة، منتصفَ أكتوبر1997م. كتبتُها انفعالاً بخبرٍ قرأته عن اصطدامِ سيارةٍ بجملٍ سائبٍ أودى بأرواحِ معلماتٍ في طريقهن إلى مدرستهن النائية، أرَّقتْنِي القصصُ الحزينةُ التي ستَنْبُتُ في بيوتِ معلماتٍ لن يَعُدْنَ إليها أبدًا؛ وخُيِّلَ إليَّ أن الجملَ أداةَ السَّفَرُ القديمةِ، قصدَ الانتقامَ من السيارةِ وسيلةِ النقلِ الجديدةِ؛ التي سلبتْهُ دورَه، وحطَّتْ من قدرِه. تتابعت القصصُ، وتلقَّفَها مُلحقُ الأربعاء، بحفاوة بالغة، فأنا واحدٌ من ناشئةِ تلكَ الأيامِ؛ المدينينَ بالشُّكْرِ لِـمُلحق الأربعاء، ولمشرفه: الدكتور. فهد الشريف. كانت راحةُ البوحِ أولى عزاءاتِ الكتابة، والنشرُ أولى أفراحِها، فالقصةُ تمنحُ كاتبَها إهابًا من التخييل، وأفقًا للتأويل؛ يقاربُ ولا يُباشر، ويهمسُ ولا يُفصح، يتعاطاها جُرعةً مُسِكِنةً لوجعِ اللحظةِ، ومُقطِّرًا للحنينِ من تلافيفِ الذاكرة، وعدسةً كاشفةً عن مخاوفِ الغدِ. في مطلع الألفيةِ الجديدةِ صدرتْ مجموعتي الأولى: (قطفُ الأشواك)، وعبر ثلاثة عقود صدرت تسعُ مجموعات قصصية، كُتِبَتْ قصصُها بدوافعَ مختلفة، وأساليبَ متباينة؛ فكلُّ قصةٍ كُتبت كيفما قُدِّرَ لها؛ ومضةً خارجيةً، أو غوصًا في موقف، أو استبطانًا لشخصية، أو تشبثًا بلحظةٍ؛ في غِلالةٍ من الرمزيةٍ؛ تُتيحُ تَعَدُّدَ القراءاتِ، وتَـمدُّ أُفُقَ التأويل. وقد حَظِيَتْ القِصصُ بدراساتٍ نقديةٍ، وتناولتْها أطروحاتٌ جامعيَّة، وحقَّقَتْ جوائزَ عديدةً، فكان ذلك إكسيرًا ناجعًا ضدَّ الشعورِ بعدمِ الجدوى، الذي يعتادُ الكاتبَ بين الحينِ والحين؛ لولا ما تفعله الكتابةُ القصصية بالذات الحساسة؛ من تخفيفِ الألم، وبعثِ الأملِ، ومقاومةِ وخزِ الضميرِ. إن طبيعةَ الإنسانِ مرتبطةٌ بالحكي؛ فحياته تتراوح بين أن يكون: حاكيًا، أو محكيًا له، أو محكيًا عنه. وإن تَكُن القصةُ القصيرةُ كَذْبةً صغيرةً متفقًا عليها بين الكاتبِ والـمُتلقي، فإن من غاياتَها هتكُ الأكاذيبِ الكبيرةِ المسكوتِ عنها.. وسيواجِهُ الكاتِبُ صعوبةً في التخلِّي عن قصته بعد نشرها، لولا أنَّهُ يُدركُ أنها أصبحتْ حقًا للقارئ والناقدِ؛ فليس من وظيفتِه أن يُدافعَ عنها، أو يُبرِّرَ أحداثَها، ولا أن يجيبَ عن الآراءِ التي تُقال عنها. وليس من شأنِه تقويمُ تجربتِه؛ إن وظيفتَه أن يكتُبَ، ويطوِّرَ أدواتِه، ويجوِّدَ إبداعَه وحَسْب. فقِصَصُهُ وقعُ خطواتِه على طريقِ السردِ الطويل، لا تتفيَّا التأثيرَ المباشرَ، فحسبُها أن ينفعلَ بها قارئٌ ما في مكان ما، في غفلةٍ من كاتبِها، فذلك مجدُ الكتابةِ والكاتب.