ديوان «عائد من أبيه» لصالح زمانان..

الذاكرة بين العدم وشبح اللغة الخالصة

اختار الشاعر السعودي صالح زمانان أن يواجه الوجود ويحاوره من خلال ثلاثين نصا ضمن مجموعته الشعرية «عائد من أبيه»1، والعنوان يؤشر على رؤية شعرية تنحاز في كليتها إلى تنشيط الذاكرة ومواجهة العدم، وهما مفصلان موجهان لجل النصوص. وتفتح هذه الوجهة كوة قرائية تقترن بحال الذات الشاعرة «لستُ على مايرام»2. وهي حالة قلقة تعكس وجودها الفردي المشدود بالألم والاغتراب الذي يؤجج الإحساس بالموت وتعطيل الزمن. ومن ينصت إلى نصوص الديوان سيجد الأداء الشعري أشبه بمعالجة مجازية للمفاهيم البانية التي تراود الانفتاح على الفقد، وكنائية الموت، وهي تتكشف عبر بناء تركيبي مباشر أحيانا «لن أسامح فراقك العجول»3. فالرؤية التي يتمركز حولها الشاعر لا تقترن بمسافة بينه وبين الموضوع، لأن الفعل الشعري يجسد حدثية مندمجة مع الذات القلقة واستعاراتها المبنية عبر عرض خاص وتمثل للفقد والموت. وهذا التركيز على مواجهة الموضوع قد أعلى من قيمة التخاطب الشعري مع الكليات التي تتمتع بقيمتها الجوهرية والوجودية. إن إدراك الغياب قد يسبق الوعي به مما يتحول إلى رد فعل تمثلي يستدعي صور الفقد والموت وتوطين اللحظات التي تصون زمنيتها المعلنة، وأيضا هذا ما فسح المجال لإعادة صياغة الفوضى الداخلية، ضمن نظام لغوي أتاح للشاعر التعبير عن صور تمثل فقد الأب. لتصبح الكتابة، في هذا السياق، إقامة مجازية تستدعي الغائب المطلق بشكل رمزي متجدد ومتحرك في الذاكرة واللغة. وكأن الكتابة هنا تؤدي الوظيفة التي يمنحها بول ريكور للذكرى حين يجعلها -وفقا لتحليله لنظرية أرسطو- «العلامة الزمنية للسابق التي يحملها الغائب»3. وقد يتطلب هذا الموقف تكريس الإحساس بالخيبة أو -بتعبير الشاعر- «مارثون الخيبة»4، وينضاف إلى هذا بنية التماهي مع العدم «ما وجدت أحدا»5. العدم بما هو فراغ وإمكانية لتحويل الوجود إلى بنية عدمية تفتقد لوظيفيتها الحياتية، أو إمكانية التعايش مع الغياب وقلقه في ظل سلطته. وهذا التحقق الرؤيوي قد أثر على الأداء اللغوي الذي تماهى مع الوضعيات الوجودية المختلفة والفارقة. وهنا تطرح إشكالية التواشج المقلق بين الإحساس واللغة. إن هذا التجاور المطروح والمؤشر عليه من خلال ديوان «عائد من أبيه» قد أوغل في طبيعة ووجهة الحركة «العودة» بما هي إقبال مفترض، وتمثل مباشر لمفاهيم: الوصية، الحزن، العزلة، التحديق، الخيبة، العدم، العطش، الانتحار، الغياب، الظل... إنها لبنات مفهومية يرتق من خلالها الشاعر صالح زمانان عالمه الشعري، ويصون به تلك العودة المقلقة من فقد والده الذي اعتزل مبكرا من هذا الوجود الصاخب. وما تبقى للشاعر هو ذكرى وجود يتأمله بحس رثائي تتماهى فيه الصور باللحظات والذكريات، وتلتبس بالنتائج النفسية التي مكنته من صوغها بمنطق آخر يروم الإفصاح عنه والاعتراف به على نحو ما جاء في هذا المقطع الذي يقول فيه الشاعر: فأنا الطريق الذي قطعه الفيضان أنا شبّاب النار في ليالي القمر والسواحل لكن فاتني تعلم الطقس أنا سيء الحظ لم أرقص حولها6 بهذه الصورة المتماهية مع الماء والنار والهواء يجد الشاعر نفسه غير مقبل على وجوده، وغير متماه بما يكفيه أن يجد أناه التي ضاعت بين الإحساس بالرحيل، والعودة من حالة الفقد، لأن التماهي قد جعل وجوده يُعلي من وضع لم يعهده ولم يستطع تقبله بما هو فراغ وصوت مناجاة. تجد النبرة ذاتها صداها في نص «انتصار العدم» إذ يتصاعد صوت الهزيمة، وتفقد الطفولة نضارتها وبراءتها، وتعجز عن مجاراة شغفها اللعبي، وهي الصورة التي استنبتها الشاعر واستأصلها من واقع مفترض لأنها تتمثل العدم الذي اقتلع كل شيء جميل. فالنص يبلغ ذروته عندما يحلّ العدم في فجر الهزيمة، وتتداعى صور المعاناة. يقول الشاعر: بزغ طيف العدم في فجر هزيمة الأطفال لما فقدوا صَبية تتنفس بصعوبة ولم تعد إلى ساحة اللعب مجددا أدركوا العدم لما كبروا ولم يعرفوه لكنهم عرفوا أن السماء اخترعت الجاذبية كي تتفادى الرجم .. وانتصر العدم7 شكل العدم قوة قاهرة، وسلطة تبعثر انتظام الوجود الطبيعي، وأرق صاحب الوجود البشري إلى اليوم، فسؤال الوجود عينه ظل مقرونا بمسألة العدم، من أين نأتي؟ وإلى أين نسير ونصير؟ وهذا مسار أنطولوجي قد باغت البراءة الإنسانية وانزاح بها نحو المجهول، ليشكل دافعا تأمليا وجزءا من القوى الكبرى التي دفعت الإنسان للتفكير بأساليب خيالية تصويرا وشعرا وحكاية وحتى طقسا وغيرها من أساليب وبواعث الإبداع الخلاق البشري، الذي لا يمكن فكّه عن مسألة الوجود والعدم، وبشكل خاص هذا الأخير الذي عمل على استمالة الجانب المجهول في الذات لتعبّر عنه بادئ الأمر وبقوة شعرا. ولعل هذا هو الدافع الأساس الذي جعل فيلسوفا مثل مارتن هايدغر يستعين بشعراء -ريلكه، هولدرلين، تراكل، رونيه شار...- للاستدلال عن أفكاره في الوجود والعدم. وهنا، في سياقنا الشعري العربي، يحملنا شعر صالح زمانان إلى التخلي عن الوجود والترحيب بعوالم تخييلية تتمتع بكل قوة التحويل والتغيّر إلى حد استحواذ الموت على كل شيء، وبينما تشير جل نصوص العمل الشعري إلى عالم فاقد لمعناه خارج الزمن إلى عدم يحرر الإنسان من وجوده الحقيقي. يقدم الشاعر العدم إثباتا للحاجة الملحة لاستمرار الغائب، وتنشيط الفراغ والمحاججة على وضع جديد تترجمه لغة خالصة تتقصد امتلاك ما يبرر المنطلقات والاختيارات والأدائية. لأن الإحساس بالفقد هو بشكل عام إحساس تعاطفي وانفعالي لحظي يواجه به الشاعر فكرة تقييد انفعاله، وتجريب عواطفه، ومدى اقترانهما بالآتي. كما يظهر النموذج العدمي عند موضعته خارج قيده اللغوي، لتصير اللغة شبحا متلونا، وشرطا مفصليا بمدلولها، ولعل هذا ما يجعل اللغة الشعرية، في تصور موريس بلانشو، «لغة تغدو التباسا»9، وأيضا استنادا إلى الصور التي تعكسها النصوص، وتذكي حجم الفقد والتعلق بالوالد. وعند النظر إلى هذا الكم الهائل من المشاعر التي انكتب بها الديوان سنجد أن الشاعر قد وفّى حجم الارتباط والوفاء، وعدّل وجوده ضمن سياق مغاير. السياق ذاته الذي ترجمته اللغة الموظفة، ولكنها تقصدت التعبير عن الذات وتفسير بكل تأكيد أن تجربة الفقد يمكن تفسيرها وتوضيحها بطريقة الحقيقة الثابتة التي تفيد أن الشاعر مولع بالآخر ومصاحبته، وهذا ما قد يوجه اللغة إلى تجاوز التفكير المجرد، والتعبير عما يعتمل في دواخل النفس، لتشمل استجابة زمانية ومكانية ونفسية للحدث الكلامي. إنها تمنح شعورا بالانتماء إلى وجود على شفير العدم، وهي مثل ذلك الجسر المائل ولكنه صالح للعبور. يستعرض صالح زمانان من خلال عمله الشعري «عائد من أبيه» تاريخ محاولاته الهروب من قيود اللغة حتى يتسنى له التعبير عن ذلك الذي يفتننا ويدعونا لسبر أغواره، رغم أنه يردنا دومًا على أعقابنا خائبين بحكم أن الصمت الذي خيم على مواقف ولحظات العمل هو صدى العدم الذي يقتل الكلمات، لتوجد من جديد في صيرورتها الشبكية وطوافها الأبدي حول المفتقد والمحتجب. ولعل مأزق الكتابة هنا يكمن تحديدا في مفارقة اللغة ذاتها، ففي التصور البلانشوي «يموت في الكلام ما يمنح الكلام حياته؛ والكلام هو حياة هذه الموت»10. وهنا تتجاوز الكتابة وظيفة تسمية الفقد إلى إعادة بناء العالم من داخل غيابه. فاللغة الأدبية تمتلك «قدرة على تعليق العالم والاستغناء عنه»10. ففي داخل كل كاتب دافع إلى تحطيم كل شيء، وإلى إعادة تشييده من جديد، نوع من التدمير (الموت، الفقد، العدم، الفناء) من أجل تجديد ما كان وكتابة في صيغة مغايرة (الحياة، البعث، إعادة الوجود). صحيح أن الشاعر يفسر ويناقش مفهوم الفقد ضمن سياق كتابي، أي أنه يربطه بالعدم واللاجدوى، إلا أنه مقرون بالقلق على الحقيقة الوجودية الجديدة، والقلق هو ذلك الدافع الذي يدفعنا إلى المزيد من الحياة، إذ ينزع الشاعر إلى بناء تصوره الشخصي الذي جازف من خلاله بما تبقى له، وقد لا يبالي باندفاعه إلى يتمه. وهذا يعني أن قلق الشاعر يتأتى من عدم اليقين بالحقيقة الوجودية الماثلة أمامه، مما يدعوه إلى تفسير محاولته للوصول إلى مقصديته، لكي يجد فيها ذلك العزاء الذي يناشده. ولكن أليس ما في الذات الشاعرة هو صورة لما يحيل عليه الفقد؟ ومن ذلك تكون الموت محورا فكريا شعريا تراوده، وتشكل ملمحا داخلا في الأداء والتأمل الشامل للعمل الشعري. فالموت -بحسب هايدغر- هي إمكانية استحالة كل سلوك فيما يتعلق بـكل الوجود؛ (الوجود والعدم). فنراها تتبدى في صور متعددة تنقبض وتنبسط بحسب الموقف الشعري، وتلبي حاجة ماسة عند الشاعر، بل وتمثل فكرا طوليا ممتدا، وتأخذ طابعا يتجاوز التجربة الذاتية، مما يسمح بالموازنة في لغة الأداء، وتكشف عن قدر الانزياح، بحيث هي الدال بطبيعتها ومحوريتها. *شاعر وناقد مغربي الإحالات: •صالح زمانان، عائد من أبيه، طوى – لندن، مسكلياني – تونس، ط/1، 2015. •نفسه، ص. 11. •بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد - بيروت، ط/1، 2009، ص. 53. •صالح زمانان، عائد من أبيه، ص. 35. •نفسه، ص. 51. •نفسه، الصفحة ذاتها. •نفسه، ص. 83. •نفسه، ص-ص. 58-59. •Maurice Blanchot, La Part du feu, éd Gallimard- Paris, 1949, p. 328. •Maurice Blanchot, De Kafka à Kafka, éd Gallimard- Paris, 1981, p. 51. •Maurice Blanchot, La Part du feu, op. cit, p. 44.