نتأمّل ديوان”طيورٌ لأعشاش مريم-قصائد عالقة في فلكِ الأم” للشاعر علي عكور لا بوصفه مرثية تقليدية لأمٍّ مريضة، ولا تسجيلاً شعريًّا لمسار المرض فحسب. بل بوصفه مختبرًا إنسانيًّا ولغويًّا تتداعى فيه الأشياء والعوالم بتداعي الذات، فـ “مريم” لا ينهار جسدها ووعيها وحدهما، وإنما يختلّ معها نظام العالم من حولها؛ فيفقد الزمن انتظامه، وتضطرب صلة الأشياء بمعانيها، وتتصدّع اللغة وهي تحاول القبض على ما يتجاوز المرض إلى سؤال الوجود ذاته. “لا الوقتُ هو الوقتُ ولا الأشياءُ هي الأشياءُ أكادُ أجِنُّ: الأفكارُ بقايا شررٍ يتطايرُ في رأسي لغتي تتشظى، أوشكُ أن أفقدَ صلتي بالعالمِ حولي” فحين ينهار الاسم، نلحظ منذ البدء ضوءًا يلوح في الأفق: فمريم هي”عمود النور”و”بنت الغيــــــم”و”شقيقــــة أنـــــداء الفجر”و”حفيدة أشجار الصفصاف تحيط بها الفراشات والنجوم والنخيل”، غير أن هذا المعجم المضيء لا يلبث أن ينقلب على نفسه. إذ يتراجع النور لتحلّ محله صور العتمة والتشظي، ويتحول العالم الذي كان يحتفي بمريم إلى فضاء مضطرب يوازي اضطرابها الداخلي، وهكذا لا يرسم الديوان المرض بوصفه عارضًا، بل يجعله قوة تعيد تشكيل العالم الشعري كله: الضوء والعتمة، والأشياء والزمن، وصولاً إلى اللغة ذاتها. يقول في قصيدة المرحلة الأولى-ماقبل الاسم ( مرحلة التكهنات قبل معرفة طبيعة المرض): مريمُ كانت أجملَ وأجلَّ بهاءً من أن تُدركها العينُ الباصرةُ وكانتْ- ياربُّ-عمود النورِ المقتبسِ-جلالاً- من فلقِ الصبحِ الباهرِ قامتُها صِنوُ تماثيلِ العاجِ الواقفةِ بكلِّ جلال الصنعَةِ كانتْ مريمُ أختُ النخلِ الواقفِ-كالسيفِ المشهرِ- في ملكوتِ الله. ... مريم كانت بنتَ الغيمِ حفيدةَ أشجار الصفصافِ الباكيةِ شقيقة أنداءِ الفجرِ ربيبة أحزان الغجر الرحَّلِ وابنةَ خالاتِ نجومِ الليلِ الذاهلِ عنْ ليلاهُ كانتْ مريمُ، إذ تمشي تقترِحُ بمشيتها إيقاعًا أجمل/ أبطأ للريحِ المرسلةِ وكانت تدْرُجُ مثلَ حمائمَ بيضاواتٍ يخشينَ إذا ما- في الفجر- مشيْنَ بأنْ يوقظنَ الأرضَ الغضَّةَ من رقدَتِها. إنها حركة جسدية وذهنية تسافر بالمتلقي في فضاءات التحول وسمو البدايات؛ إذ لا يقدم الشاعر مريم بوصفها شخصية داخل الحكاية فحسب، بل يبني حضورها من عناصر الطبيعة ذاتها، فـ”النور والفجر والغيمة والندى والنخيل والصفصاف”ليست وحدات دلالية تتناسل خطيًّا للضرورة اللغوية، وإنما هي عائلة كونية في الدلالة تحيط بمريم لتمنحها موقعًا شبه أسطوري. “مريم” ذلك المركب الاسمي الذي يستدعي “ذاكرة العذراء” ليست امرأة في قرية فحسب، بل كائنٌ منسوجٌ من عناصر الغيم والندى فتصير حفيدةَ الأشجار وصِنوةَ النجوم. من هنا، تتحول الوحدة المعجمية “مريم” إلى مركز جذب دلالي تنتظم حوله “مفردات الماء، النور، الحنان، الطهر، الأمومة، الرقة”وهو ما تختزله القصيدة المريمية. إذ يتجاوز الاسم دلالته الذاتية إلى حدث شعري في الزمن الوجودي للشاعر. يستقطب ذلك الجمال الذي تداعت عنه وله كل أشياء العالم قبل أن تتعرض للاختراق. إذ تُـباغت القارئ جملة فاصلة في السرد الشعري تعلن بدء التحول والنكسة: لكنَّ الحال تبدَّلَ مريمُ ماعادت مريمَ لكأنَّ ملامحها النورانية غمَّسَها شيطانٌ بسديم ينْضَحُ قطرانًا أسودَ. قالتْ: والليلُ يُعمِّقُ وحشتـَها: “ثمَّة ريحٌ تتناوحُ في رأسي” من هنا يتراجع العالم خطوة فخطوة، لينفتح بعدها حقل دلالي نقيض تتجاور فيه مفردات “الريح، الليل، القطران، الجرح، الغرق، الغربان، الطوفان، القلق”، ولا تبدو هذه المفردات متناثرة في السياق، بل تتضافر لتقلب المعجم الأول القائم على النور والصفاء؛ فما كان مضيئًا وآمنًا يبدأ في الخفوت والاضطراب بالتوازي مع تصدّع عالم مريم الداخلي، وهكذا تنقلب كل وحدة دلالية جديدة على الضوء، فيصبح خافتًا واهنًا، ويتسرب المعنى إلى جسد القراءة وروحها كما يتسرب الماء عبر الشقوق. وبذلك، تتصدّع نواة المعنى؛ فإذا كان الحقل المعجمي يضع الكلمات في تجاور تراكبي خطِّي، فإن الحقل الدلالي “حقل المعنى” يكشف نبض القصيدة ومنتجها وقارئها. فالوحدة المعجمية”الريح” ليست في الديوان مجرد مفردة عابرة أو هواء يتحرك بين الأشجار، بل تتشعب دلالتها لتقترن بالاختلال، والنزوع، والاقتلاع. ولذلك تقول مريم: “ ثمّة ريح تتناوح في رأسي”. وهكذا لا تغدو الريح مجرد استعارة تصورية للاضطراب النفسي، بل نسق مركب من قوى الانهيار: قوة لاتُرى لكنها تغير شكل الأشياء من الداخل. إنها تسبق التمزق وتواكبه، ومن خلالها تلتقط القصيدة تعثّر الإدراك وتصدّع المعرفة. فكيف لمريم تلك السامية العذراء، نظيرة الأشجار والحقول والمياه، أن تركب سفينة تهوي وتغرق ومعها معاني الأمومة والجمال والحنان؟ إنها صورة تتشكّل من التناقضات؛ حتى الماء نفسه يتأرجح بين دلالتي الحياة والموت. في الديوان جرأة أخرى تتمثّل في انتقال الاسم من “مريم” إلى “المريمية” وهو ما يحيلنا إلى علم النفس المعرفي؛ إذ ينتقل بنا الديوان من “الظرفيات إلى الفطريات” على حد تعبير (محمد مفتاح، مشكاة المفاهيم).ذلك أن الذات: ممثلة في “مريم” تنسج في الديوان تجربة المرض بوصفها تجربة ظرفية طارئة تحيل على مأساة الإنسان وقلقه الوجودي. وبهذا المعنى، تغدو الوحدة الدلالية “المريمية” دالة على المعاناة البشرية؛ فتتردّد فيها ثنائيات الصعود والانهيار، والاستقرار والتشظي، والتماسك والانكسار، وتتجسّد عبر شبكة من المفردات اليومية والرمزية: “الخبز والقهوة والريحان والصلاة والطيور والليل..”. وهذا ما ينقل القارئ إلى أن يعيش لغة الانهيار في درجة عالية من التجريد الوجودي. يقول الشاعر: أقول لمريمَ: “مُـرّي على الظلِّ حتى تشفّ دروبُ الشذى تحت أقدامنا، قد نسيرُ إلى الماءِ جرحى إذا لم تحطّي عن الظلّ وحشته، فارفعي وهجكِ الفذَّ صوبَ الأعالي وردّي لإيقاعِكِ الحرّ نفحَ النخيلِ وشَجْوَ الخيولْ” إن النواة الدلالية “لــلمريمية” تفتح الديوان على مأساة إنسانية تتجاوز التجربة الذاتية، وتختزل ما يعتري الإنسان من تقلبات الدهر وقسوة الزمان. يقول الشاعر الذي حوّلها إلى مجازٍ كوني يطرق كل ذاتٍ في الكون: “الصباحُ البداهةُ نَـفْـحُ رياحيننا المريميّةِ طقسُ التجلّـي، وآن التخلِّي عن الشجنِ الْيَصْعَدُ الآن صوبَ سفوحِ الرضا رغبةُ الريحِ في أنْ تلوذَ بما في السنابلِ من رقةٍ مشتهاةٍ وأن يحمِلَ القمحُ عنها الشّجى أن تحُطَّ البيادرُ عِبْء المسافةِ عنها” هكذا تتحول تجربة “مريم” الذاتية إلى تجربانية مريمية بالمعنى الإنساني والكوني،كما تتحول شعرية السرد إلى افتتان جمالي بصور الانهيار، بالمعنى الذي يقدمه غريماس وفونتانيي في كتابيهما (سيميائيات الأهواء، من حالات الأشياء إلى حالات النفس) فالموت في الديوان ليس مجرد انهيار ذاتي، ولا نهاية باردة للمعنى، بل تجربة تتعدد صورها وتتسع دلالاتها داخل البنى السردية التي قاربت الموت وشكّلت معناه. ومن هنا، فإن نصوص ديوان الشاعر علي عكور ( طيورٌ لأعشاش مريم) لا تُجمّل الفقد في شكل رثاء أحادي الصوت، بل تعيد تشكيل الخراب شعريًّا، مستخلصة منه جماليات تؤسس لشعرية الانهيار. ذلك أن الحقل المعجمي يرسم عالمًا ممكنًا من النور والطبيعة والحياة، لكنه يصهرها في رياح الدهر والزمان؛ حيث “الــمريمية” قصيدة تتجاوز ظرفها الخاص لتنفتح على معاناة إنسانية أوسع. إنها علامة سيميائية تمجّد الكونيات على حساب الظرفيات. وتلك هي المقصديات الخفية لشعرية الانهيار في الديوان.