في سوق الصاغة تتجاور المتاجر على الجانبين، كلّ يعرض محتوياته بالشكل الذي يجعل الزبائن من الرجال والنساء الذين يملؤون المسارات ينجذبون إلى محلاتهم، يشدّهم بريق الذهب وجمال النقوش. في السوق ظلّا يتجوّلان وينتقلان من دكان إلى آخر، يسيران ويداهما حمامتان متعانقتان، والقلبان طائران يتناجيان، دخلا أحد المحلات. كانت (الفترينات الزجاجية) مملوءة بالمشغولات الذهبية ذات الأشكال المبهرة والتصاميم الجذّابة (أساور منقوشة / عريضة ونحيفة / رشارش / خواتم بفصوص وأخرى بدون فصوص / أقراط تفنّن مصمّموها في صياغتها / سلاسل ذهبية) مشغولة بإتقان. وقفا ينظران إلى المعروض أمامهما من البضاعة الثمينة، قال البائع بعد أن رسم على شفتيه ابتسامة: ـ مرحباً... أية خدمة؟ بادر الشاب بالكلام... قال للبائع: ـ شكراً... نريد محبساً. نظر إلى فتاته مشيراً إلى محبس من المحابس المعروضة، بينما أخرج البائع عيّنات من المحابس ثم وضعها على المسطّح الزجاجي أمامهما. قال لها وهو يمدّ يده بأحد المحابس: ـ ما رأيك في هذا؟ ردّت بعد أن تأمّلت المحبس: ـ نقشه لم يعجبني... أليس لديك أجمل منه؟ حنى البائع رأسه وظلّ يبحث بين مصوغاته عن محبس يروق لها. ثم ما لبث أن مدّ يده بواحد قائلاً: ـ في هذا المحبس أحدث نقشة. قالت وهي تتحسّس الخاتم بأناملها البضّة: ـ نقشه جميل لكن لماذا وزنه خفيف، أليس لديك غيره؟ رد البائع: لا... للأسف. خرجا من المحل... سارا عدة خطوات ثم دخلا متجراً آخر مجاورًا له. قال لها خطيبها: أرجو أن تجدي مبتغاك في هذا المتجر الكبير. قالت له: لكن ديكوراته قديمة لا تعجبني. عندما خرجا من آخر متجر في السوق ولم تتحقّق رغبة العروس في شراء محبس يليق بأصبعها الجميلة، اقترح عليها عريسها الذهاب إلى سوق آخر من أسواق المدينة الكبيرة. أركبها السيارة وانطلق نحو جنوب المدينة متأمّلاً أن يجد هناك خاتمة سعيدة لمشوار البحث الطويل، ظلّ يسوق صامتاً طوال المسافة من شرق المدينة إلى جنوبها متجاهلاً الأصوات الناصحة التي ظلّت تزعق في رأسه ولم تسكت إلاّ عندما وصل إلى وجهته المبتغاة. *** في صالة الأفراح الفخمة التي اختارتها بنفسها طارت الزغاريد فراشات فرح وانتشرت في جنبات القاعة، بينما كانت مكبّرات الصّوت تنقل غناء المطربة المشهورة إلى آذان المدعوّات المزيّنة بأقراط تتناسب مع فساتينهن الباهظة الأثمان. تقدّمت زميلاتها إلى المنصّة ليباركن لها ويشاركنها فرحة العمر. طبعن على خدّها قبلات محبّة. رقصن قليلاً ثم اتّجهن إلى طاولات جلوسهن مبتهجات وفي رؤوسهن تنبت ورود الأحلام. *** في غرفة النّوم جمع (حافظات الصور)، وضع يده على إحداها وأخذ يستعرض اللقطات، طارت ذرات رماد العمر من على صفحات (الألبوم). وعلى صفحة المرآة المجاورة للسرير الواسع لمح حالته بعد هذه السنين. رأى شعره الذي سرقت مكابدة الدنيا سواده الجميل وملامح وجهه الذي انطفأت فيه نضارة الشّباب. قال في سّره متحسّراً: (الرغبة سلطان وعيون المحبين عمياء). تحسّس المحبس في وسط أصبعه، أداره دورتين، حاول أن يخلعه لكنّه احتبس ولم يخرج، غاص في لحم الأصبع الوسطى وترك أثراً أبيض مستديراً كأنّه محبس آخر. لم يكن مؤلماً لهذا لم يجد حماساً لخلعه، لكن في هذا اليوم تسلّط هاجس على فكره صار يهمس بقوة: (قد تصاب بالغرغرينا إن لم تخلعه، اخلعه قبل أن تبتر أصبعك). عصراً توجّه إلى السّوق الشعبي في وسط المدينة، اختار أحد الأكشاك الصغيرة التي تقدّم خدمات إصلاح الساعات والخواتم المعطوبة. قال للعامل وهو يمدّ يده: ــــ أريد أن تقصّه. ابتسم العامل وقال ممازحاً: أصبعك؟ ــــ لا... المحبس... انظر. وأراه أثر المحبس على جلد أصبعه الوسطى. قرأ الدّهشة على وجه العامل. قال له: هل تستطيع؟ أجابه العامل: نعم انتظرني لحظة. ثم فتح درجاً أمامه وأخرج (قطّامة) صغيرة. تناول يد الرجل، وبهدوء أدخل أحد طرفي الأداة الطويلين تحت المحبس والطرف الآخر فوقه كأنه طبيب جراح يجري عملية من عملياته... ضغط بحذر على الجسم المعدني... كان ينظر إلى العامل بتوجس... سمع صوت القصّ فتنهّد وحمد الله، وبهدوء أيضاً ناوله العامل محبسه. نظر إلى أصبعه، وضع محبسه في جيبه ثم سأل العامل عن أجرته، أبلغه العامل بالمبلغ المطلوب، ناوله حقّه من النقود ثم غادر السّوق وفي داخله ارتياح عميق. *كاتب وقاص