في روايته الجديدة “الأديب الضّليل”، يضع الروائي السعودي أحمد السماري قارئه أمام شخصية لا تعاني نقصًا في الموهبة أو المعرفة، وإنما تعاني فائضًا منهما لم يجد طريقه إلى مشروع مكتمل. ومن هذه المفارقة تتشكل مأساة فهد بن فرج؛ الأديب المثقف، صاحب الذاكرة الاستثنائية والحضور الآسر، الذي امتلك من أسباب التميز ما كان يمكن أن يصنع منه مشروعًا فكريًا وأدبيًا كبيرًا، لكنه أمضى جانبًا طويلًا من حياته في التيه بين ما يستطيع أن يكونه وما اختار أن يكونه. ومنذ العنوان، تضعنا الرواية أمام مفتاحها الدلالي الأول. فصفة “الضّليل” تستدعي من الذاكرة الثقافية العربية امرأ القيس، “الملك الضّليل”، لكنها تنتقل هنا من فضاء التاريخ إلى قلق الإنسان المعاصر. وإذا كان امرؤ القيس قد عاش تيهه باحثًا عن مُلك أبيه الضائع، فإن فهد فرج يعيش ضياعًا من نوع آخر: ضياع الموهبة نفسها، وتبديد الإمكانات الفكرية في حياة تتوزع بين الصحافة والأضواء والمجالس الثقافية والبحث المتواصل عن الحضور. هذه المقابلة بين “الملك الضّليل” و”الأديب الضّليل” تمنح العنوان كثافته، وتجعل منه مركزًا دلاليًا للرواية كلها. فالتناص مع امرئ القيس لا يقوم على استعارة لقب تاريخي فحسب، وإنما يمتد إلى معنى الغربة والتيه، وإلى حضور الشعر الجاهلي في التكوين الثقافي لفهد، وصولًا إلى ذلك التقاطع الإنساني بين رجلين تفصل بينهما قرون طويلة، ويجمعهما إحساس عميق بأن شيئًا جوهريًا أفلت من اليد. غير أن مأساة فهد أكثر تعقيدًا؛ لأنه لم يكن رجلًا عاديًا أخفق في تحقيق طموحه، وإنما كان يمتلك قدرة ذهنية لافتة. منذ سنواته الأولى بدا قارئًا نهمًا، ذا ذاكرة حديدية تستوعب ما تقرأ وتستدعيه بسهولة، حتى ليبدو رأسه مكتبة حية. وكانت لديه قدرة على تفكيك الأفكار وإعادة تركيبها، إلى جانب موهبة في الإلقاء والحضور والكتابة. كان يمكن لهذه الخصائص أن تقوده إلى مشروع معرفي طويل النفس، لكنه اختار الطريق الأسرع إلى الظهور: الصحافة. رأى فيها وسيلة أكثر قدرة على صناعة الاسم والحضور من الكتاب، وانجذب إلى بريقها وإلى ما تتيحه من اتصال مباشر بالجمهور والمشهد الثقافي. وهنا تنشأ واحدة من أكثر مفارقات الرواية دلالة: رجل يعرف الكثير، ويستطيع الكثير، لكنه لا ينجز ما يوازي قدرته. تتراكم بدايات الكتب والمقالات والمشروعات في حياته، ثم تتوقف قبل اكتمالها. يبدأ، يتحمس، يملّ، يترك ما بدأه وينتقل إلى فكرة أخرى. ومع مرور السنوات تتحول الأوراق غير المكتملة إلى صورة مادية لحياته نفسها؛ مشاريع كثيرة، ونهايات قليلة. ومن هذه الزاوية يصبح الضجر عنصرًا عميقًا في تشكيل الشخصية، وليس حالة نفسية مؤقتة. فهد قادر على الإدهاش في المساحات القصيرة، في الحديث والمقالة والموقف الثقافي والإلقاء، لكنه يعجز عن احتمال الطريق الطويل الذي يحتاجه الكتاب والمشروع الفكري. وهنا تتسع المسافة بين الموهبة والإنجاز، وهي مسافة مؤلمة كلما كان حجم الموهبة أكبر. إلى جانب ذلك، تبني الرواية شخصيتها على انشطار آخر أشد قسوة: الانقسام بين الداخل والخارج. أمام الآخرين يبدو فهد مثقفًا لامعًا، قوي الحضور، صحفيًا قادرًا على التأثير وإبهار المجالس بذاكرته ومعرفته. وفي داخله تدور معركة أخرى لا يراها أحد. نجح طويلًا في حماية صورته الخارجية، وإخفاء هشاشته واضطرابه، حتى أصبحت حياته حركة متواصلة بين عالمين: عالم يراه الناس، وعالم لا يعرفه على حقيقته إلا صاحبه. ومن هنا تكتسب الشخصية بعدها الإنساني؛ فالنجاح الظاهر لا يكشف دائمًا حقيقة الإنسان، والمعرفة الواسعة لا تمنحه بالضرورة القدرة على فهم ذاته أو إنقاذها. وتزداد مأساة فهد حين يبدأ الآخرون في إدراك الفجوة بين ما يمتلكه وما أنجزه. صديقه جبران يرى أن قدراته تتجاوز حدود العمل الصحفي، وأحد أصدقائه الذين وصلوا إلى مواقع المسؤولية يتساءل عن غياب الكتب والدراسات التي كان ينبغي أن تكون الثمرة الطبيعية لهذه الثقافة الموسوعية. عندها يصبح السؤال أكثر إيلامًا: ماذا فعل فهد بكل ما كان يعرفه؟ لا تقدم «الأديب الضّليل» جوابًا مباشرًا بقدر ما تجعل حياة الشخصية نفسها إجابة مفتوحة. فالمعرفة وحدها لا تصنع منجزًا، والموهبة مهما بلغت تحتاج إلى الصبر والانضباط والقدرة على الاستمرار. وقد يمتلك الإنسان ذاكرة مدهشة وثقافة واسعة وحضورًا استثنائيًا، ثم يكتشف متأخرًا أن ما ينقصه كان القدرة على إكمال الطريق. هكذا تتحول حكاية فهد فرج من سيرة أديب تائه إلى سؤال يتجاوز الشخصية: كم من موهبة كبيرة ضاعت لأنها لم تجد ما يحميها من صاحبها؟ في هذا السؤال، تحديدًا، تكمن إحدى أكثر مناطق «الأديب الضّليل» إثارة للتأمل؛ فالرواية لا ترثي رجلًا أضاع فرصه وحسب، وإنما تضعنا أمام المفارقة الإنسانية بين ما نملكه وما نصنعه بما نملك، وبين صورة النجاح في أعين الآخرين وحقيقة المعركة التي قد يخوضها الإنسان وحيدًا في داخله. • ناقد أدبي وأكاديمي