ما بين جيلين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”. بهذا التوجيه النبوي الكريم، وضع الإسلام قاعدة أخلاقية عظيمة، جعل فيها توقير كبير السن خلقاً أصيلاً يجسد حسن التربية ورقي المجتمع. فلم يكن احترام الكبير يوماً مجرد عادة اجتماعية، بل قيمة دينية وإنسانية تناقلتها الأجيال، حتى أصبحت جزءا من هوية المجتمع السعودي، تظهر في المجالس، والمناسبات، وفي تفاصيل الحياة اليومية. ولم يكن هذا الاحترام مجرد كلمات تُقال، بل سلوكاً يُمارس، يبدأ من الأسرة ويترسخ بالمواقف. ولذلك بقيت القدوة العملية خير وسيلة لغرس هذه القيمة في النفوس. ومن المواقف التي لفتت انتباه الكثيرين ما قام به سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في إحدى المناسبات، حين بادر إلى خلع البشت قبل السلام على صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض، بعدما لاحظ أنه لا يرتدي بشتاً، في تصرف عفوي جسد أسمى معاني احترام من يكبره سناً، وأكد أن الاحترام الحقيقي يظهر في التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبيرة. لكن المتأمل في بعض المشاهد اليومية يلحظ أن هذه القيمة لم تعد تُمارس بالحضور نفسه في بعض الأحيان. ولعل أكثر ما استحضرته وأنا أكتب هذه السطور مشهد رأيته في إحدى مناسبات الزواج، حين كان أحد كبار السن يتلفت باحثاً عن مقعد يجلس عليه، بينما كان بعض الحضور قد سبق إلى الجلوس، ولم يلتفت أحد إلى أن رجلاً مسناً ظل واقفاً يبحث عن مكان يجلس فيه، حتى نهض له رجل آخر من كبار السن، وأصر على أن يجلس مكانه. عندها أدركت أن القضية لم تكن مقعداً بقدر ما كانت صورة تختصر الفارق بين جيل تربى على المبادرة، وآخر قد تشغله تفاصيل الحياة عن الالتفات إلى من حوله. وليس هذا المشهد حكراً على مناسبات الزواج، بل قد نراه في صالات الانتظار، ومحطات المترو، والمستشفيات، وغيرها من الأماكن العامة. والإنصاف يقتضي ألا نعمم، فبين شبابنا نماذج مشرقة تسابق إلى خدمة كبار السن وتوقيرهم، إلا أن بعض المواقف الفردية تستحق التوقف عندها، لا بقصد اللوم، وإنما حتى لا نفقد قيمة ظلت لعقود طويلة عنواناً لأخلاق مجتمعنا. إن احترام كبير السن لا يبدأ بإخلاء المقعد فحسب، بل يبدأ بالسلام عليه، وتقديمه، والإصغاء إليه، ومساعدته عند الحاجة، وإشعاره بأنه ما زال يحظى بالمكانة التي يستحقها. فهذه التصرفات البسيطة هي التي تحفظ للمجتمع روحه، وتمنح الأجيال صورة مشرقة عن معنى الوفاء والتقدير. وما بين جيلٍ نشأ على أن توقير الكبير من شيم الرجال، وجيلٍ يعيش متغيرات متسارعة فرضها إيقاع الحياة الحديثة، تبقى المسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، وسائر مؤسسات المجتمع، في ترسيخ هذه القيمة والمحافظة عليها. فالكبير في السن لا يبحث عن مقعد بقدر ما يبحث عن الشعور بأن مكانته ما زالت محفوظة في قلوب الناس، وأن ما غرسه الآباء في نفوس الأبناء سيبقى إرثاً أخلاقياً تتناقله الأجيال.