قراءة في ديوان «مختبئٌ خلف وجهي» للشاعر محمد غازي..

الشعــر احتجــاجٌ على البقــاء في المنتصف.

أقلّ ما يمكن أن يفعله الفنّ أن يحتجّ. يبدو أننا نتبنّى مرافعةً خاسرةً منذ البدء، لكن لا بدّ منها. يُحاول الشاعر محمد غازي في ديوانه الجديد “مختبئ خلف وجهي” الذي صدر عام 2026 م عن مكتبة أما بعد، حاول هذا الهمجيّ النبيل، من خلال هذه المجموعة أن يتعايش، يقول: في الساعة الأولى/ أرتدي قناعاً جديداً للعام القادم/ أتخيّله، أتوهّمه، أكذب به على القدر لأعيش كطُعم/ أضع الروح على حبل الغسيل/ أرتدي قفّاز أقداري/ وألعب النرد عابثاً/ على الرفّ القديم بقيّة أقنعتي/ الهمجيُّ والنبيل والطفل والعجوز والنكرة/ أرمي أعماري السابقة في النهر/ وأفتح باب الثلاثين بإبرة كاللصوص. ـ لماذا العنوان: “مختبئ خلف وجهي”؟ يريد منّا العالمُ جادّاً أن نرتدي وجوهاً تختلف كل مرة، لكنّ الشاعر يريد وجهاً واحداً وإن اضطرّ إلى غير ذلك، بهذا يظلّ الوجه الحقيقيّ مختبئاً خلف ألف وجهٍ، يقول كأنه يكتب مرثيةً: كان كل شيءٍ بخير أبي غير مضطرٍ لطبخي كنتُ مقبولاً هكذا، نيئاً، وجميلاً... قبل أن ينبت رجلٌ ما في وجهي! كان كل شيءٍ بخير وجهي القديم صالحٌ للاستخدام، خرائطي لم أكن مضطراً لشرائها من كشك المتاهات بوصلتي ليس لها شمالٌ يكزُّ ظهري بإبرته كلما انعطف العالم. كم نحتاج من وجهٍ لنعيش في هذا العالم، يقول: بروازٌ بلا صورةٍ، علّقته في الجدار المقابل لوحدتي وأخذتُ أفتّش أدراج رأسي عن وجهٍ أضعه هناك.  ثم يسرد هذه الوجوه التي لا تنتهي، يقول: وجهٍ أعتذر به لأغاني جرّحها صوتي وجهٍ ألوك به علكة الشعر، وجهٍ أُبلّل به لهاة جدّي السابع، وجهٍ أتفادى به رصاص الأصدقاء وقنابلهم العنقودية، وجهٍ كوجهي! لا أُكنّ له أيّ عداوةٍ، ولا أحبّه! ـ ما الاحتجاج سوى سخرية من واقعٍ لا يُحتمل؟ ليس لنا إلا أن نسخر احتجاجاً في ظلّ ما يحدث، وهو موجعٍ تماماً، يقول محمد غازي مثلاً: ليختبروا فهمي للعدالة قتلوا إخوتي أمامي وظلّوا يراقبوني إذا ما كنتُ سأصلّي عليهم أم سآكلهم.. حقنوني بأمراضٍ عدّة لأصير شرساً وخائفاً في الوقت ذاته في ظلّ كل هذا الوجع، علينا أن نستمر بالكتابة أو الاحتجاج لا فرق، يقول: أكتب لإلهاء يدي عن تكسير شيءٍ ما غير قلبي أكتب لأنني لم أشترِ مسدساً بعد أكتب لأنّ أمّي ليست هنا لتمسح عني العالم أكتب لأوصد النافذة في وجه الليل أكتب لأنّ العالم لم ينطلِ عليّ أكتب لأن لا شيء آخر أفعله كي أحتمل ذاتي لا حياد في هذه الحياة، هذا ادّعاءٌ نحاول به التعايش مع عجزنا لا أكثر، والشاعر يسعى إلى كسر هذا الحياد المدّعى، بل وفضحه، يقول بسخريةٍ لاذعة حتى من نفسه: دائماً كنت الشخص الآخر الابن الأوسط بين اثنين والنرد المقذوف من يد أبي احتمالاً كالشظايا بطاقةً يحدّد بها قارئٌ ما أيّ صفحةٍ وقف عندها في الكتاب كنت الطالب الثاني الصبي الذي فشل أن يكون الأول وفشل أن يكون الأخير، وفشل ألا يُرى كان دائماً نصف حبيبٍ، ونصف شاعرٍ، ونصف همجيّ، ونصف نبيلٍ، ونصف عاقل، ونصف مجنون، كان دائماً يتعثّر بنصف امرأة! ليس مكتفياً من كل شيءٍ، ولا كافياً في أيّ شيء! الطفل والعجوز: لا شكّ في أنّ حساسية الشاعر تجاه ما يجري تدلّ على يقظةٍ ووعيٍ هو أقرب إلى الشقاء! وهذه اليقظة تستدعي تأمّلاً ما. تستدعي النظر في اتجاهين: ماضٍ ومستقبلٍ، وهذا ما يُشكّل تماماً الإحساس باللحظة التي نعيشها، يقول محمد غازي: بكاء الطفل وسعال العجوز بينهما تجلس الحياة صامتة! بكاء الطفل وسعال العجوز قوسان تضع الحياة كلماتها بينهما! ويقف طويلاً ليقارن أثر الطفل على العجوز، في صراعٍ مع الوقت، يقول: كان الأطفال يربّون العصافير القططَ، ووعودَ آبائهم! وكنتُ أربّي أنايَ العجوز أعده بأننا لن نشتاق لهذا المكان وأننا لن نعود يبدو هذا احتاجاً مبكّراً من الشاعر على الوقت، يقول في موضع آخر: وحين يُفكّر في الوقت يشيخ ويلتهم سنواته ـ ماذا عن الحبّ؟ لا يكفّ الشاعر في الديوان عن الانحياز لأمّه، كملاذٍ وكمخرج طوارئ، ولكن! يقول: أستغرق في الصبر إلى أخمص قدمي كغارقٍ في الطين، وأغرس عيني في ساعة الحائط مراقباً الوقت، وأنتظر.. أنتظر فقط! شيءٌ ما قد تأخر في الوصول.. في السرير، أغطّي رأسي بوشاح امرأةٍ أجهلها قيل إنها أمّي! وكأنّ أمّه هي كل نساء العالم، من يعرف ومن لا يعرف! وبالرغم من هذا فقد تورّط في امرأةٍ أخرى على طريقته الخاصة، يقول: ككلّ الأطفال الذين عبروا الشارع دون أن يلتفتوا يميناً ويساراً.. أحببتكِ! وككل المراهقين الذين أجادوا الوقوع في الفخاخ.. أحببتكِ! ومثل كل الرجال العاديين الذين ابتلعوا أحلاماً أكبر من حناجرهم فغصّوا بها أحببتكِ!  ـ لا منتصف في الشعر: أخيراً، من ألطف ما يسترعي الانتباه في هذه المجموعة، هو انحيازه لقصيدة النثر، وهذا مفهوم لأنه يكتب بها، يقول في الإهداء: إلى قصيدة النثر المتهمة جداً... ولكن الطريف والمستغرب ربما، هو الإسقاط على القصيدة العمودية، يقول: الشعراء الجدد الهاربون من زنازين القصيدة، النازلون بلا جرسٍ موسيقيٍّ إلى البحر وبلا رئتين؛ يتنفّسون من ثقب الأبجدية باحثين عن غرقٍ ثمينٍ يعودون به إلى ذاكرة القرية، محبّرين بالخطايا شعراً يتهاوى من العمود هو أكبر موبقاتهم ولنا أن نختم هذه القراءة بهذه المرافعة ضدّ ما يحدث في العالم، يقول: في العالم شيءٌ جائعٌ يأكل قضمةً من كل شيءٍ عرفتُ هذا صغيراً عندما رأيت طفولتي تُقضم شيئاً فشئياً وعندما كبرتُ وصار حيّنا أصغر فأصغر ومقبض الباب يوازي فخذي والنافذة لا تدسّني جيداً قررت مراقبة العالم ثمّة من يقضم أمومة النساء ثمّة من ينهش إرادة الرجال ثمّة من يقتل الأطفال ويكفنّهم بالنضج ثمّة شيءٌ جائعٌ يأكلنا بنهم ٍ غير مكتملٍ يترك شيئاً منّا للتاريخ.. قاضماً الباقي ثمّة شيءٌ كل شهرٍ يلتهم جزءاً من القمر ويذّكرنا بأنّه موجود اسمه الزمن!