خالد المطرفي..

أجملُ ما أبقاه العمر لنا.

حين أكتب عن خالد المطرفي، فإن أول ما ينبغي أن أعترف به أنني لن أكون محايداً، ولا أريد أن أكون. فالحياد يصلح حين نكتب عن الذين نعرفهم من بعيد، أما الذين عبروا معنا العمر، وتقاسموا معنا أفراحه وأحزانه، ووقفوا إلى جوارنا في المنعطفات، فهؤلاء نكتب عنهم بشيء من القلب، بل بكثير منه. أعرف خالداً منذ منتصف التسعينيات الميلادية، أي قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وهي مدة كافية لأن ترى الإنسان في تحولاته كلها، في الفرح والغضب، في النجاح والتعب، في الاختلاف والرضا، في القوة والانكسار، وفي الأيام التي ترفعنا والأخرى التي تختبر معدننا. وبعد هذه الصحبة الطويلة أستطيع أن أقول إنني لم أعرف خالد المطرفي صحافياً فقط، بل عرفته أخاً كريماً، وزميلاً عزيزاً، وصديقاً حبيباً، ورفيقاً غالياً جداً، ومن أولئك الرجال الذين يزدادون في القلب رسوخاً كلما تقدم العمر. قبل سنوات كتب خالد عبارة ظللت أتذكرها: «من لا تعذر رفيقه من أول زلة.. خلاه الزمان بلا رفيق». وربما تلخص هذه العبارة جانباً عميقاً منه، فالصداقة عنده ليست علاقة هشة تتكسر عند أول اختلاف، وإنما معرفة بطبيعة البشر، وقدرة على التجاوز، ووفاء للعيش والملح والذكريات. ولهذا كتبت عنه قبل أيام قائلاً: كنتَ أجمل الرفقاء والأصدقاء والزملاء، بل وأجمل أخ كريم، تتجاوز عن أخيك وتعذره بحكمة الكبار وصبرهم وتفهمهم العميق. وكنت السند والذخر والرجل المعطاء. ولا أجد اليوم ما أتراجع عنه في شيء مما قلت، بل أجد أنني قلت أقل مما يستحق. ولخالد حكاية تستحق أن تُروى، لأنها لا تبدأ من استوديو تلفزيوني ولا من مكتب رئيس تحرير، بل من مكة، فهناك تكوّن الرجل. في حارات مكة القديمة كان الصبي خالد المطرفي يكتشف العالم من خلال الكتاب. يروي عن طفولته أنه وأقرانه لم يكونوا يملكون ثمن الكتب، فكانوا يجمعون قروشهم القليلة ليستأجروا بها كتب جورجي زيدان والقصص المصورة عن الحربين العالميتين وغيرها. وكانت مدرسته الأولى «حراء الابتدائية»، وكان مديرها آنذاك إمام الحرم المكي الشيخ عبدالله الخليفي، ثم واصل تعليمه في مدرسة الملك عبدالعزيز الثانوية بالعزيزية، قبل أن يتخرج في جامعة أم القرى.  وأظن أن شيئاً من خالد لا يمكن فهمه بعيداً عن هذه النشأة المكية. فمكة ليست مدينة عادية لمن وُلد في فضائها وتشرب ثقافتها. فيها تتجاور البساطة مع اتساع العالم، وفي حرمها يرى الطفل البشر قادمين من كل لون ولسان، ويتعلم مبكراً أن الاختلاف سنة الحياة. وفي ذلك المحيط الديني والاجتماعي تأسس خالد، بين الحرم ومدارس مكة وكتاتيبها ومجالس أهلها، فتكون فيه ذلك المزيج الذي أعرفه، حيث التدين الفطري المتسامح، والاعتزاز بالوطن، واحترام الكبير، والوفاء للصاحب، والانفتاح على الناس. ومن الكتب المستأجرة بقروش الأطفال بدأ الطريق إلى الصحافة. يقول خالد إن ولعه بالصحافة بدأ صغيراً، وإنه كان يحب أوراق الجرائد والمجلات، بل رائحة حبر الصحف، حتى أصبح في بداية المرحلة الثانوية مراسلاً لمجلة «ماجد». ثم التحق في أواخر دراسته الجامعية بصحيفة «المدينة» محرراً متعاوناً، وتدرج فيها حتى أدار مكتبيها في مكة والرياض، ثم أصبح مديراً للتحرير خلال سبعة أعوام. وبعدها كان من الصحافيين الذين اختيروا للمشاركة في تأسيس صحيفة «الوطن» نائباً لرئيس التحرير.  وهذه التفاصيل ليست تعداداً للوظائف. إنها تقول شيئاً أهم، لأنّ خالد ابن المهنة الحقيقي. بدأ من أسفل السلم، من الشارع والخبر والمصدر والركض خلف المعلومة، قبل أن تأتي المناصب. ولذلك لم تكن الصحافة بالنسبة إليه لقباً اجتماعياً، وإنما صنعة عاش تفاصيلها، وتعلم على أيدي كبارها، وتدرب، كما يذكر في سيرته، في صحف داخل السعودية ومصر وأمريكا. ومع كل تلك السنوات ظل يقول إنه ما زال يتعلم، لأن التعلم في الصحافة لا ينتهي.  ثم انتقل من الورق إلى الشاشة، وكانت له تجربة بارزة مع قناة «العربية» التي انضم إليها عام ٢٠٠٣ وتولى إدارة مكتبها في المملكة حتى نهاية عام ٢٠١٦، قبل أن يخوض لاحقاً تجربة «الشرق» ويسهم في تأسيس مكاتبها في السعودية.  لكنني، وأنا أكتب عنه، لا تستوقفني المناصب بقدر ما يستوقفني الرجل الذي بقي هو نفسه بعد المناصب. هذه خصلة نادرة. عرفنا في حياتنا أشخاصاً تغيّرهم الوظيفة، وآخرين تغيّرهم الشهرة، وبعضهم تغيره أبواب المسؤولين حين تفتح له. أما خالد فاحتفظ بذلك المكي القديم داخله. ظل ابن الحارة الذي يعرف قيمة الرفقة، ويعرف أن الرجال لا يقاسون بعدد بطاقات التعارف في جيوبهم، بل بعدد المرات التي حضروا فيها عندما احتاج إليهم أحبابهم. وخالد، في معرفتي الطويلة به، رجل وطني بامتياز الامتياز. ولا أستخدم الوطنية هنا بوصفها كلمة احتفالية. الوطنية عنده موقف ووعي وانحياز واضح لبلده وقيادته ومجتمعه. عاش الإعلام في مراحل شديدة الحساسية، وعرف كيف تتغير المنطقة وكيف تصبح الكلمة أحياناً جزءاً من معركة الوعي. وكان واضحاً في موقعه، قوياً في الدفاع عما يؤمن به، لا يتخفى وراء العبارات الرمادية عندما يتعلق الأمر بوطنه. ومع ذلك، فإن خلف هذه الصلابة رجل شديد الإنسانية. وهذه ربما الصورة التي لا يعرفها الذين تابعوه من وراء الشاشة أو قرؤوا مقالاته. أما نحن الذين اقتربنا منه، فنعرف خالداً الآخر، خالد الذي يسأل، ويحضر، ويواسي، ويتجاوز، ويعذر، ويمنح صديقه فرصة أخرى وثالثة. نعرف الرجل الذي يستطيع أن يختلف معك ثم يحفظ لك قدرك، وأن يغضب منك دون أن يهدم تاريخاً كاملاً بينكما. وتلك، في رأيي، هي حكمة الكبار. فمع تقدم العمر يكتشف الإنسان أن الذكاء ليس في أن تنتصر في كل خلاف، بل في أن تعرف ما الذي يستحق أن تخسره وما الذي لا يجوز أن تخسره. وأن الصديق القديم لا يوضع في كفة مع لحظة غضب عابرة. وأن ثلاثين عاماً من الرفقة أكبر من سوء فهم، وأثمن من كلمة قيلت في غير وقتها. خالد يعرف ذلك بالفطرة. ولذلك كان سنداً وذخراً ومعطاءً. وحين أقول (معطاء) فلا أقصد عطاء المادة وحدها، فثمة عطاء أعظم، هو أن تمنح الآخرين وقتك، ومكانتك، وخبرتك، وطمأنينتك، وأن تفتح لهم باباً حين تضيق الأبواب، وأن تقف خلفهم دون (صخب)، وأن تفعل الخير ثم تمضي كأن شيئاً لم يكن. بعد أكثر من نصف عمري في صحبة هذا الرجل، أجد أنني لا أستطيع اختزاله في «الإعلامي خالد المطرفي». فهذا تعريف ناقص جداً. الإعلام مهنته، لكنه ليس كل حكايته. حكايته في مكة التي صنعت بداياته، وفي الكتاب الذي استأجره طفلاً بقروش قليلة، وفي الحرم الذي تشرب في رحابه أول معاني الدين، وفي الصحيفة التي أحب رائحة حبرها، وفي الطريق الطويل من «المدينة» إلى الوطن» ومن الورق إلى التلفزيون، وفي وطن أحبه ودافع عنه، وفي أصدقاء حفظ ودهم، وفي عشرات المواقف الصغيرة التي لا تدخل السيرة الذاتية، لكنها وحدها تكتب سيرة الإنسان الحقيقية. وفي هذه السن من العمر، لم أعد أظن أن أعظم ما يكسبه المرء هو نجاح أو منصب أو شهرة. أعظم مكاسب العمر أن تلتفت خلفك فتجد إلى جوارك رفيقاً عبر معك ثلاثة عقود، عرف ضعفك كما عرف قوتك، ورأى أخطاءك كما رأى محاسنك، ثم لم يغادر. وخالد المطرفي واحد من هؤلاء القليلين في حياتي. أخي خالد: قلتَ يوماً إن من لا يعذر رفيقه من أول زلة يخليه الزمان بلا رفيق. وها نحن بعد هذه السنين نعرف أكثر من أي وقت مضى معنى عبارتك. لقد أخذ منا العمر أشياء كثيرة، وأعطانا أشياء كثيرة، وبدّل الوجوه والأماكن والأحلام، لكنه أبقى لنا نعمة لا تقدر بثمن، رفقة الرجال الأوفياء. وأنت يا خالد من أجمل ما أبقاه العمر. صديقاً حين يقلّ الأصدقاء، وأخاً حين نحتاج الأخ، وسنداً حين تميل الأيام، وحكيماً حين تضيق مساحات الفهم. بعض الناس نعرفهم سنوات، وبعضهم يصبحون جزءاً من سنواتنا. وأنت، يا خالد، روح الروح، ورفيق العمر، وجزء عزيز من حكاية الحياة، حياتي وحياة العمر كله. (*) كاتب وصحافي سعودي