الوجه السينمائي لروائي نوبل..

نجيب محفوظ في الذكرى العشرين لغيابه

تمر عشرون سنة على غياب نجيب محفوظ (11 ديسمبر 1911 – 30 أغسطس 2006)، ولا تزال صورته تصل إلينا من الممر نفسه تقريبًا: الروائي وراء مكتبه، صاحب «الثلاثية»، ابن الحارة القاهرية، والرجل الذي جاءت نوبل عام 1988 لتضع ختمًا عالميًا على سيرة كانت قد اكتملت ملامحها قبل الجائزة بوقت طويل. صورة صحيحة، بالتأكيد، لكنها لكثرة ما استقرت في الذاكرة تكاد تحجب صورة أخرى أقل سكونًا وأكثر حيوية: محفوظ الشاب وهو يدخل عالم السينما لا بوصفه أديبًا كبيرًا جاء ليمنح الصورة بركة الأدب، بل متعلمًا يجلس إلى صلاح أبو سيف ليفهم كيف تتخلى الحكاية عن جسدها الورقي، وكيف تصبح اللقطة جملة، والنظرة فاصلة، والصمت أحيانًا أكثر بلاغة من الكلام. ربما تكون هذه هي الصورة التي تستحق أن تستعاد في الذكرى العشرين لرحيله. ففي سنة 1947 بدأت علاقته الفعلية بكتابة السيناريو مع صلاح أبو سيف. كان قد نشر روايات، واختبر اللغة، وصار يعرف الطريق الذي يمشي فيه الكاتب حين يكون وحده أمام الصفحة، لكن السينما دفعته إلى أرض أخرى. هنا لا تكفي الجملة الجميلة إن لم يكن لها جسد يتحرك داخل الكادر، ولا ينفع الاستطراد حين يكون على الممثل أن يقول بعينيه في ثوانٍ ما تستطيع الرواية أن تقوله في صفحات. أمام الكاميرا تتغير قوانين الزمن، ويصبح على الكاتب أن يتعلم نوعًا آخر من الحذف. وفي ذلك، ربما، قدر من الإهانة الجميلة للكاتب: أن يكتشف، في لحظة، أن صندوق أدواته الذي وثق به طويلًا ليس كاملًا. مقعد المتعلم لم يستقبل صلاح أبو سيف محفوظ باعتباره أديبًا يمكن لاسمه أن يضيف إلى الفيلم وجاهة ثقافية. أدخله إلى السيناريو من بابه المهني، إلى الحرفة نفسها، إلى ما وراء الكلمات. ومحفوظ بدوره لم يدخل المكان متحصنًا بمكانة الرواية. جلس ليتعلم. وهذه التفصيلة الصغيرة تقول شيئًا جوهريًا عن شخصيته؛ فقد امتلك قدرة نادرة على العودة إلى مقعد التلميذ بعد أن صار كاتبًا. لم يكن الأمر تواضعًا أخلاقيًا بالمعنى المألوف بقدر ما كان فضولًا معرفيًا حادًا: ماذا تفعل آلة سرد أخرى بالحكاية؟ ماذا يبقى منها حين تُنزع عنها امتيازات الصفحة؟ في «مغامرات عنتر وعبلة»، الذي عُرض سنة 1948، شارك محفوظ في كتابة السيناريو مع صلاح أبو سيف وفؤاد نويرة. وقد يبدو الفيلم، من بعيد، منفصلًا عن العالم الذي سيلتصق لاحقًا باسم صاحب «زقاق المدق» و«الحرافيش»، لكن قيمة البداية ليست في موضوع الفيلم بقدر ما هي في التجربة التي وضعته داخلها. كان ينتقل من كتابة يملك فيها المؤلف السيادة شبه المطلقة إلى كتابة موزعة السلطة؛ النص فيها لا يعود ملكًا لشخص واحد. السيناريو يدخل منذ لحظته الأولى غرفة مزدحمة: مخرج، ممثل، منتج، مصور، مونتير، ديكور، ميزانية، ووقت لا يسمح للكاتب أن يواصل التفكير إلى ما لا نهاية. الرواية تستطيع أن تؤجل قرارها إلى الصفحة التالية. الكاميرا أقل صبرًا. ثم جاءت أفلام بدأت فيها المسافة تضيق بين العين الاجتماعية عند محفوظ والعين البصرية عند أبو سيف. في «لك يوم يا ظالم» سنة 1951، المستلهم من عالم رواية «تيريز راكان» لإميل زولا، شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو، بينما تقدّم المشهد التمثيلي فاتن حمامة ومحسن سرحان ومحمود المليجي. لم تكن الحكاية، كما قد تخلط ذاكرة متعجلة بين أفلام تلك المرحلة، عن شاب فقير تطارده قوى الظلم الاجتماعي، بل عن رغبة تنقلب جريمة، وطمع يتخفى داخل علاقة شخصية قبل أن يكشف وجهه الكامل. وهنا كان ثمة درس مبكر: المجتمع لا يحتاج دائمًا إلى خطاب مباشر كي يظهر. أحيانًا يكفي أن تضع بضعة أشخاص داخل رغباتهم، ثم تغلق الباب. في مختبر الحارة ومع «ريا وسكينة» دخل محفوظ منطقة أكثر التباسًا: كيف تكتب حكاية يعرف الجمهور خاتمتها قبل أن تضاء الشاشة؟ الجريمة الشهيرة كانت قد غادرت سجلات الشرطة إلى الذاكرة الشعبية، وتكاثرت حولها الأخبار والحكايات والأساطير. لكن السينما لا تعيش على معرفة النهاية؛ مهمتها أن تعيد خلق الطريق إليها. أن تجعل المشاهد يتوتر أمام مصير يعرفه سلفًا. وهذه واحدة من الحيل التي لا يراها الجمهور عادة: أن تعيد إلى واقعة مستهلكة عنصر المفاجأة، لا بتغيير ما حدث، وإنما بإعادة بناء زمنه. ولعل «درب المهابيل» سنة 1955 يبدو أكثر دلالة حين نقرأه من زاوية محفوظ نفسه. الفيلم أخرجه توفيق صالح، وشارك محفوظ في كتابته. وفي مركز الحكاية ورقة يانصيب رابحة تقع في يد «قفة»، مجذوب الحارة، فتتحول الورقة الصغيرة إلى جهاز يكشف وجوه الآخرين. لا يتغير المكان كثيرًا؛ الذي يتغير هو البشر حين تقترب منهم إمكانية المال. الحارة هنا ليست خلفية للحدث، وإنما معمل مغلق. مساحة ضيقة تتجاور فيها الحاجة والحلم والجشع والشفقة، حتى تصبح الحدود بينها هشة. لا يلزم أن يسافر أحد إلى آخر العالم كي تنقلب حياته. أحيانًا تكفي ورقة. ومثل هذا التفصيل يقول عن محفوظ أكثر مما تقوله العبارات العريضة عن «الواقعية». لم يكن مفتونًا بالشارع لمجرد أنه شارع، ولا بالفقراء لأن حضورهم يمنح الكتابة صكًا اجتماعيًا. ما كان يشغله هو ما تفعله التفاصيل الصغيرة بالبشر: مبلغ يظهر فجأة، أب يموت، غرفة تضيق على ساكنها، نظرة جار، إشاعة تتسع، وظيفة تُفقد، امرأة تتحرك تحت عيون الآخرين. أشياء صغيرة لا تبدو جديرة بفكرة كبرى، ثم يتبين أنها الفكرة نفسها. لهذا يبدو «بين السماء والأرض» سنة 1959 كأنه مختبر مكثف لطريقته. الفكرة تعود إلى محفوظ: مصعد يتعطل، وعدد من الأشخاص المختلفين يجدون أنفسهم عالقين في صندوق معدني ضيق. لا شيء أكثر بساطة من ذلك ظاهريًا. لكن البساطة هنا فخ. ماذا يحدث للمراتب الاجتماعية عندما يغلق الباب؟ ماذا يبقى من الألقاب حين يتساوى الجميع أمام الهواء القليل والانتظار والخوف؟ المصعد لا يعترف بمن هو أعلى منزلة. وهو، في لحظة العطل، يعيد ترتيب العالم على طريقته. المجتمع المصري كله لا يمكن أن يدخل ذلك الصندوق، لكن عينة صغيرة منه تكفي كي تظهر الشروخ. حين أخذت الشاشة رواياته بعد سنوات قليلة انعكست العلاقة على نحو لافت. الرجل الذي كان يكتب للسينما صار هو نفسه مصدرًا تكتب منه السينما. سنة 1960 أخرج صلاح أبو سيف «بداية ونهاية»، أول فيلم مأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ. تبدل موقع الكاتب فجأة: لم يعد السيناريست الذي يعيد تشكيل الحكاية لتناسب قوانين الصورة، بل الروائي الذي يترك نصه في يد آخرين. والمهم هنا أن محفوظ لم يكن يتولى كتابة سيناريوهات رواياته المقتبسة. كان يترك للمخرج وكاتب السيناريو حق العبور. كأنه فهم مبكرًا أن الرواية لا تستطيع أن تدخل الشاشة محتفظة بكل أوراق هويتها القديمة؛ عليها أن تخسر شيئًا من نفسها كي تولد في وسيط آخر. «بداية ونهاية» من أكثر الأمثلة قسوة على هذا العبور. أسرة يموت عائلها، فيبدأ الانحدار لا بوصفه حدثًا ماليًا فحسب، بل انهيارًا بطيئًا للمكانة والصورة التي ترى بها الأسرة نفسها. سناء جميل في دور نفيسة، وفريد شوقي، وعمر الشريف، وأمينة رزق؛ وجوه لا تقول لنا إن الفقر موجود، بل تمنحه جلدًا وصوتًا ونظرات. تستطيع الرواية أن تدخل رأس الشخصية وتبقى فيه طويلًا، تتعقب الخوف والخجل والغيرة والرغبة. أما الصورة فتحتاج إلى شيء مرئي: كتف يهبط، فستان، حجرة مكتظة، وقفة أمام مرآة، نظرة تتجنب عينًا أخرى. ليست المسألة أن السينما أقل قدرة من الرواية أو أكثر. إنها تنقل الألم إلى موضع مختلف. ومنذ ذلك الفيلم أخذت روايات محفوظ تتدفق على الشاشة: «زقاق المدق»، «اللص والكلاب»، «الطريق»، «القاهرة 30»، «خان الخليلي»، «السمان والخريف»، «ميرامار»، «ثرثرة فوق النيل»، «الكرنك»، وغيرها. ومع توالي هذه الأعمال نشأت واحدة من أغرب علاقات الأدب العربي بالسينما: ملايين الناس دخلوا عالم محفوظ من باب لم يكتبه بنفسه. عرفوا حميدة بوجه شادية، وسعيد مهران بوجه شكري سرحان، ورأوا شخصيات أخرى وهي تستعير أجساد الممثلين وأصواتهم، حتى أصبحت الذاكرة الشعبية، في أحيان كثيرة، عاجزة عن الفصل بين الشخصية المكتوبة والوجه الذي أدى دورها. كأن السينما لم تقتبس محفوظ فقط، بل أعادت توزيع شخصياته في المخيلة العامة. ما الذي تعلمه الروائي من الصورة؟ ربما يكمن هنا أحد أسرار اتساع حضور محفوظ خارج حدود القراء. فالسينما لم تكن مجرد تابع لأدبه، كما لم تكن رواياته مخزنًا تنتظر أمامه شركات الإنتاج بحثًا عن حكاية. العلاقة بدأت قبل ذلك بكثير، وكانت أكثر تبادلًا مما توحي به كلمة «اقتباس». قبل أن تأخذ الشاشة رواياته، كانت قد أخذت محفوظ نفسه إلى ورشتها، وأجبرته على تعلم اقتصاد جديد: ماذا يمكن أن تحذف من غير أن ينهار المشهد؟ كيف يؤدي الصمت وظيفة كلام طويل؟ كيف يتحول المكان من خلفية إلى قوة فاعلة؟ وكيف يصبح ترتيب الدخول والخروج جزءًا من المعنى؟ ليس من السهل، ولا من الضروري، أن نقيس بالمسطرة مقدار ما تسلل من السينما إلى رواياته. ستكون سببية مريحة أكثر مما ينبغي أن نقول إن العمل في السيناريو هو الذي صنع حسه المشهدي. الكاتب، خصوصًا محفوظ، أكبر من أن يُرد إلى مصدر واحد. لكن معرفة تلك السنوات تغير زاوية القراءة قليلًا. تجعلنا أكثر انتباهًا إلى طريقته في افتتاح المشهد، وإلى حسه بالحركة داخل المكان، وإلى ولعه بالأمكنة المحدودة التي تزدحم فيها المصائر، وإلى الطريقة التي يسمح بها للشخصية أن تظهر وهي تفعل شيئًا بدل أن تقف أمام القارئ لتقدم أوراق اعتمادها. حتى القاهرة في كثير من نصوصه تبدو كأنها وجدت طريقها إلى العدسة قبل أن تصل إلى الوصف. نافذة، مقهى، درج، زقاق، باب موارب، ضوء يأتي من جهة جانبية. لا تحتاج المدينة دائمًا إلى منظر بانورامي كي تكون حاضرة. أحيانًا يحملها متر مربع واحد، كما لو أن القاهرة كلها تستطيع أن تنكمش في عتبة بيت أو طاولة مقهى. التمثال الذي كان تلميذًا بعد عشرين عامًا على غياب نجيب محفوظ، ليس ما ينقصه لقب جديد. الألقاب تحيط به بما يكفي: روائي نوبل، صاحب «الثلاثية»، مؤرخ القاهرة الروائي، أحد آباء السرد العربي الحديث. لعل الأجدى أن نزيل قليلًا من الغبار الرسمي عن التمثال، ونستعيد الرجل في أواخر الأربعينيات وهو يدخل إلى حرفة لا يعرف أسرارها، يصغي إلى مخرج، يعيد كتابة مشهد، يكتشف أن ما ينجح على الورق قد يموت أمام الكاميرا، ويتعلم أن الحكاية تستطيع أن تخسر كثيرًا من الكلمات من غير أن تخسر نبضها. ذلك الكاتب الذي سيصبح لاحقًا مرجعًا كاملًا في السرد العربي بدأ علاقته بالسينما من المكان الذي نادرًا ما نحب أن نتخيل الكبار جالسين فيه: مقعد المتعلم. وربما لهذا تبقى تلك الصورة أكثر حياة من صور الجوائز والمنصات والاحتفالات. ففيها لا يظهر محفوظ بوصفه اسمًا اكتمل، بل بوصفه كاتبًا ما زال قابلًا لأن يفاجأ، وأن يغير أدواته، وأن يتعلم من وسيط آخر كيف يرى الحكاية. وربما لا يعيش الكاتب طويلًا إلا بهذه الطريقة: حين يظل، حتى وهو في طريقه إلى أن يصبح تمثالًا، محتفظًا في مكان ما بداخله بمقعد صغير للتلميذ.