لهؤلاء تنحني أشجارُ القلب.
1 تنحني أشجارُ القلبِ للكثير من الأسماءِ المؤثرةِ في حياتي الأدبية الذين دفعوني إلى الشغفِ القرائيّ الجميل ، أذكر منهم أستاذي وصديقي علي محمد صيقل ( رحمه الله ) - معلمي في الصف الرابع - وهو في الحقيقةِ شاعرٌ مبدعٌ ورسامٌ أنيقٌ وملحنٌ بارعٌ ، وهو صاحبُ ديوان “ أغنية للوطن “ ودواوين أخرى مهمة ، وهو أيضًا صاحب قصيدة “ وشمٌ على ساعدي “ التي غناها الفنان محمد عمر وأضحَتْ أيقونةً خالدةً في أفقِ الغناءِ الوطنيِّ الرصين وهي من أجملِ النصوص التي أُضِيفَتْ إلى المنهجِ المدرسيِّ فيما بعد..هذا الشاعر المرموق - الذي قَصَّرْنا كثيرًا في حقه وفي التعريف به وبعالمه الإبداعيّ الجميل - فَتَحَ عينيَّ على العالمِ الشعريِّ الرحب وهو الذي كان يعيرني دواوين عبدالعزيز المقالح وعلي محمود طه ونزار قباني ، وسواهم. ولن أنسى ما عشتُ كرمَ الأستاذ الشاعر الحداثي أحمد عائل فقيهي - رحمه الله - وكذلك كرمَ أبي الروحي الأستاذ السارد والمثقف الكبير عبدالله باخشوين - رحمه الله - لقد كان كلٌّ منهما يملكُ مكتبةً فريدةً قَلَّ نظيرُها ، ولقد كانت زاخرةً بالكتبِ المدهشةِ النفيسةِ التي كان من الصعبِ العثور عليها في مكتباتنا البائسة في ذلك الوقت ، خصوصًا كتب الفكر المغاير والأدب الحديث والسرد العالمي ودواوين ومختارات من الشعر الجديد وتلك الكتب المترجمة الفارهة القادمة إلينا من تلك الضفافِ الأخرى البعيدةِ والمقمرة. كذلك لا أنسى أبدًا كرم الصديق الشاعر محمد عثمان صيقل الذي كان يعيرني كتبَهُ الجميلة، خصوصًا تلك المجلدات الشعرية الكبيرة المميزة الصادرة عن دار العودة ، وصدقًا أقول : لم أكنْ على درايةٍ بعالَمِ المفكر زكي نجيب محمود وسواه إلا بعد زيارةٍ لبيت هذا الصديق الجميل في “جزيرة فرسان “ ، والوقوف على مكتبته الزاخرة بالنفائس ، حدثَ هذا بينما كنتُ طالبًا صغيرًا في المرحلة المتوسطة. 2 القاص أحمد إبراهيم يوسف شغوفٌ بالظلال ، يعفُّ كثيرًا عن الأضواء ، وينأى بنفسه عن الصخب : صخب الأمسيات والمهرجانات الثقافية والزيف .. مبدعٌ يُؤْثِرُ الصمت والهدوء والعزلة المثمرة ، وبعد أن تقاعدَ من التعليم ـ حدث هذا منذ سنوات قليلة ـ غرق عميقًا في العزلة ، بيد أنه ظلَّ وفيًّا للقراءة الهادئة ، يتابع باهتمام الصفحات التي تهتم بالأدب في الصحف المحلية والعربية .. يقرأ الإصدارات الجديدة .. يمعن في قراءة السرد الجميل والإبداع بشكل عام .. يقرأ أكثر مما يكتب .. وهذا ـ لعمري ـ ديدنُ المبدع الحق. ينهضُ باكرًا ليقرأ ويهتم بشؤون العائلة .. وهو في نظري “ كائنٌ لا يُنتَفَعُ به ليلًا “ ، لأنه لا يقوى على السهر ويخلد للنوم باكرًا. إن أحمد إبراهيم يوسف اسمٌ مهمٌ في حقل القصة القصيرة .. لكنّ نقادنا المفتونين بالأسماء التي نالت شهرةً لم يلتفتوا كثيرًا إليه ، من التفتَ إلى تجربة أحمد كان الناقد العربي المحترم الدكتور محمد صالح الشنطي .. كما التفت إلى بداياته الجميلة الأولى القاصان الرائعان سباعي عثمان ، وفهد الخليوي .. سباعي ـ يرحمه الله ـ كان ينشر له نصوصًا في صحيفة “ المدينة “ حين كان مشرفًا على الشأن الثقافي بهذه الصحيفة .. أما الخليوي ـ أطال الله عمره ـ فقد كان دائمَ الاهتمام بنصوص أحمد وكان حريصًا على نشرها في مجلة “ اقرأ “ التي كانت تكترثُ بالثقافة والأدب والإبداع والنصوص الجميلة ، حين كان رئيس تحريرها في ذلك الوقت هو الأستاذ الرائع عبدالله مناع. أحمد يوسف الصموت ، القابع في الظلال ، أصدر مجموعتين قصصيتين جميلتين ، الأولى بعنوان “ ألسنة البحر “ ـ صدرت منذ سنوات عن نادي جازان الأدبي ـ والثانية بعنوان “ المُغَّوي “ ـ صدرت في 2015 عن دار “ أزمنة “ في العاصمة الأردنية عَمَّان. زمنٌ طويلٌ يفصلُ بين صدور المجموعتين ، وهذا يعني فيما يعنيه أنَّ هذا المبدعَ ليس مصابًا باللهاث على مستوى النشر ، وأنه معنيٌّ فقط بتجويد ما يكتب ، وأنه مؤمنٌ بالكيف الجيد وليس بالكَمِّ الذي يكون في العادةِ رديئًا وذابلًا. وإنْ كنتُ أنسى - لأنَّ ذاكرتي مثقوبةٌ - لن أنسى أبدًا كرمَ القاص والمثقف أحمد إبراهيم يوسف الذي كان يمدني بروائع السرد العربي تحديدًا - خصوصًا كتب نجيب محفوظ ويوسف إدريس والطيب صالح وسواهم ، كذلك كان يرسلُ إليَّ من “ جدة “ إلى “ فرسان “ - وكان ذلك عبر البريد - جميعَ الملاحق الثقافية ، وعلى رأسها ملحق “ المربد” الثري الذي كان يشرف عليه الشاعر علي الدميني ويصدر عن صحيفة “ اليوم “ في المنطقة الشرقية ، كذلك كان يهدي لي أهمَّ المجلات الثقافية الجادة مثل مجلة “ اليمامة “ ، و “ اقرأ “ ، و «اليمن الجديد»، و «الأقلام» و«الطليعة» العراقيتين، و” الدوحة “ القطرية ، و «إبداع» المصرية وسواها. 3 صديقي الشاعر حسين سهيل - رحمه الله - لا يكتبُ القصيدةَ فحسب ، بل يعيشُها في تفاصيل حياته اليومية .. هو مثلًا جعلَ بيتَهُ مَضَافةً و هَيَّأ قلبَهُ فندقًا للأصدقاء. يحدثُ هذا دائمًا : يستضيفني وغيري من الأصدقاء حين نحطُّ رحالنا في” الجزيرة “، يمعنُ في البذل و الكرم والمحبة. الشاعر الجميل طلال الطويرقي وأنا نعلم جيدًا قلبَ هذا الصديق ..مثلًا هو لا يكتفي بأن تنام مرتاحًا في بيته العامر ، المفاجأة حين تستيقظ .. تجد فرشاة الأسنان ، المعجون ، الصابون ، “ المنشفة “ الجديدة ، وملابس جديدة لما بعد الحمّام. لَحُوحٌ هو في ضيافتِهِ ومُغْدِق. وحين تهمُّ بالذهابِ إلى الميناءِ مغادرًا يصرُّ على اصطحابك بسيارته ولا تجدي توسلاتُكَ معه نفعًا. بعد أنْ رحلَ عن عالمنا ، وبعد أن دسسناه عميقًا في التراب منذ أعوام ، حدث هذا الموقف : في آخر زيارةٍ لي لجزيرة فَرَسَان - وبينما كان صديقنا المشترك الفنان ابراهيم صيادي ينتظرني في بيته لقضاءِ سهرةٍ جميلةٍ - سألني ابنُ أخي : مع مَنْ أنتَ ذاهبٌ الآن ؟ ..أجبتُ بلا تردد : مع حسين سهيل ! ذُهِلَ ابنُ أخي ، وقال لكي يذكرني برحيله : رحمه الله ، يا عمي..وهنا انتبهتُ إلى أنه لم يعدْ بيننا للأسف ، وحبستُ دمعةً كبيرةً في القلب كادت تسيل ، لكنني ازددتُ يقينًا بأنَّ “ أبا رياض “ لم يَمُتْ ، إنه باقٍ على الدوام في أعماقنا وذاكرتنا وعلى ألسنتنا أيضًا..بدليل حينما كنتُ أقرأ هذه الومضةَ العميقةَ لجلال الدين الرومي : “ لقد جَرَفَ سيلُ الموتِ أسماءَهم ، لكنَّ اسمَهُ لم يَمُتْ “..تذكرتُ على الفور صديقي الشاعر الراحل، ورحتُ أردّدُ بِهَوَسٍ : حقًّا إنَّ “ اسمَهُ لم يَمُتْ “ ، وطفقتُ أترنَّمُ - وأنا على مشارفِ اخضرارِ الليل - بهذا النصِّ المقتصد الذي أهديته إلى صديقي الراحل المبدع ، في ذكرى رحيله : )..وإذا مرَرْتُ ببابِ بيتِكَ ، قامَ حرّضَني الفؤادُ : ـ اطرقْ ، حبيبي ، اطرقْ. ... ... مرارًا رحتُ أطرقُ .. آهِ من شَغَفِ اليدينْ ! ... ... ولقد ظنَنْتُكَ نائمًا ، ولسوفَ تسمعُني .. وتنهضُ مسرعًا ، فرحًا ، وتفتحُ يا “ حسينْ( بقي أن أقول : ثمة فضلٌ كبيرٌ أدينُ به للصديق الشاعر حسين سهيل الذي كان يملكُ مكتبةً زاخرةً بأجمل الكتبِ وأعذبِها ، و لم يكن يبخل علينا بها وبالمجلاتِ الثمينةِ التي كانت تصلُهُ من مدنِ المملكةِ البعيدة. أمل دنقل والسياب والبردوني ونازك الملائكة والجواهري ومحمود درويش وصلاح عبدالصبور عرفتهم منه ومن دواوينهم التي كانت تصلني منه هديةً معطرةً بعطرِ روحهِ الكريمةِ وبذلهِ النبيل. 4 أستاذي وصديقي الرائع علي محمد الرفاعي - رحمه الله - لم يكنْ مدير “ مدرسة فرسان الابتدائية “ ، بل كان “ مديرًا لجامعة فرسان الابتدائية “ تمامًا كما وصفه وزير التعليم آنذاك الدكتور محمد أحمد الرشيد حين زار “ جزيرة فرسان “ وأُصِيبَ بدهشةٍ كبيرةٍ بسبب عطاءات هذه المدرسة الخلَّاقة بقيادة أستاذنا الرفاعي الذي لم يكن موظّفًا عاديًا أو مديرًا باهتًا يطبّقُ “ التعاميمَ “ الباهتة والوصايا الرَّثة ، إنما كان رجلًا شغوفًا بعمله ، مُحِبًّا لرسالته التربوية ومخلصًا لها ..كان الرفاعي يذهبُ إلى المدرسة بعد صلاة الفجر مباشرةً وهو بكامل أناقته ، كان عطره يفوح وبخوره يعبق في أزقة “ الجزيرة “ التي كان يمرُّ منها باكرًا كَسَهْمٍ باهر .. كان مديرًا صارمًا مع نفسه أولًا قبل أن يكون صارمًا مع المعلم والتلميذ ووليِّ الأمر ..أدارَ مدرسة فرسان الابتدائية - التي كنتُ أحدَ تلاميذها - بكفاءةٍ عاليةٍ وانضباطٍ لا نظير له على الإطلاق ...لهذا كان المُنْتَجُ عظيمًا وثريًّا وذا نوعيةٍ مغايرةٍ للسائدِ الفج ..أيضًا كان - في ذلك الزمنِ الحافي - يفتحُ المدرسةَ من بعد صلاة العصر حتى الساعة التاسعة أو العاشرة مساءً ؛ ليمارسَ الطلابُ مناشطَ جَمَّةً ، كالمسرح وأذكرُ منها هنا مسرح العرائس وخيال الظِّلِ ، كما أذكرُ أنني شاركتُ زملائي - حين كنتُ في الصف السادس الابتدائي - التمثيلَ في مسرحية “ تاجر البندقية “ لشكسبير على مسرح هذه المدرسة ، تخيلوا شكسبير في جزيرةٍ نائية ! فضلًا عن مناشط أخرى كالصحافة والتشكيل والغناء والإذاعة والإلقاء والخطابة والعديد من الألعاب الرياضية وسواها ، وكان أستاذُنا “ التقدميُّ “ الكبير - هكذا أحبُّ أن أصفَهُ - علي الرفاعي يشرف على ذلك النادي المسائي المميز المُقام في مبنى المدرسة بنفسه ، مهتمًّا بتفاصيلِ التفاصيل ، متتبعًا كُلَّ ما مِنْ شأنِهِ تشكيلِ وعي الطالب ووجدانه وترسيخ ثقافةٍ مغايرةٍ في حقبةٍ زمنيةٍ ضاربةٍ في التقليد. نعم ، عشنا - نحنُ التلامذة الصغار - تجربةً فريدةً في ذلك الزمن الضرير ، إذْ كنَّا نُمَثِّلُ مسرحياتٍ طويلةً بلغةٍ عربيةٍ صافيةٍ مثل “ تاجر البندقية “ كما ذكرتُ آنفًا ، أو تلك المسرحيات التي كان يكتبُها بعربيةٍ فاتنةٍ أستاذُنا السوريُّ المبدعُ محمد الحاج زين ، وأذكر منها هنا مسرحيةً جادّةً بعنوان “ الترابُ الحزين “..وفي المسرح أيضًا تعرَّفنا “ مسرحَ العرائس “ ، ومسرحَ “خيال الظل” بقيادة أستاذِنا المصريٍّ المدهش حلمي أبو العلا ، كما كنا نلقي بلغةٍ عاليةٍ جدًّا قصائدَ خالدةً لكبارِ الشعراءِ في عالمنا العربي ، وكنا نطلقُ في ذلك الفضاءِ المسرحيِّ الحُرِّ أناشيدَنا المدهشةَ التي يكتبُها معلمُنا و شاعرُنا المعروف الأستاذ إبراهيم مفتاح ، وكان يلحنُّها معلمُنا وشاعرُنا الجميلُ علي محمد صيقل ، وكُنَّا نؤديها أمامَ الجماهيرِ بصحبةِ آلةِ العود ، وكان الصديقُ الفنان إبراهيم صيادي - وهو طالبٌ في المدرسةِ نفسِها حينذاك - يعزف على العودِ ببراعةٍ تامة .. أذكرُ من تلك الأناشيد العالية مثلًا أغنية “ يا مياهَ البحر “ ، التي أحفظُها كاملةً حتى هذه اللحظة ، ومنها : ( امنحي الشاطئ عَطْفًا / امنحي الشاطئَ قُبله / أعطِنَا حُبًّا وناجي / كُلَّ عَينٍ كُلَّ مُقْلَه ) ، كما كنا نسمع الموسيقى والأغاني المرموقة من الإذاعة المدرسية كل مساء مثل “ الجندول “ للموسيقار محمد عبدالوهاب ، و” الغضب الساطع” للسيدة فيروز وسواهما ... أيضًا كنا نمارسُ الفنَّ التشكيليَّ بكل تجلياته ومفرداته ..ومِنَ الخاماتِ المُهْمَلَةِ والمنسيَّةِ كرمالِ الشطِّ وقواقعِ البحر والزجاجِ المُتَشًظّي والمكانسِ التالفةِ وروث البهائم وسواها كنا نبدعُ لوحاتٍ مدهشةً تُعلَّقُ على حائط الإدارة وفي ممرات المدرسة وعلى جدرانها ، وكانت هذه الإدارةُ - وهي إدارةٌ تقدميّةٌ بكل ما تعنيه الكلمةُ إذْ سبقَتْ عصرَها بمراحل - تحتفي بأعمالِنا هذه في معرضٍ كبيرٍ تغصُّ قاعتُهُ الكبيرةُ بالزوّار في ختامِ العامِ الدراسي. تلك المدرسةُ لم تَكُنْ سِجْنًا ولم تكنْ تشبهُ سجنًا كما هي حالُ مدارِسنا راهنًا في عالمِنا العربيِّ كُلِّهِ ، بل كانت فضاءً رَحْبًا يُعْنَى بالثقافةِ والفنونِ والآدابِ والمتعةِ والجمالِ وتربيةِ الخيالِ العالي ؛ ولهذا طرنا بعيدًا وعاليًا ، ولم نطرْ في الحضيضِ مثل الذباب. 5 عندما كنتُ طالبًا بمدرسة “ فرسان “ الثانوية - وتحديدًا في الصف الثالث - سمعني ألقي نَصًّا طويلًا على خشبةِ المسرحِ المدرسيِّ ، أذكر منه هذا المقطع : [ أنا يا “ مُغَوِّي “ ، أحبُّ السَّفَرْ أحبُّ الرحيلَ بِبِيدِ الليالْ أنا يعربيٌّ أصيلُ الجذورْ وفي مقلتيَّ اخضرارٌ ونورْ ] حين غادرتُ منصةَ الإلقاء ، حضنني أستاذي الأردنيُّ الرائعُ والمميّزُ جدًّا فهد القيسي الذي لم يكنْ يعلمُ أنَّ لديَّ “ محاولات “ شعرية ، وسألني بفرحٍ رصين : هل لديك نصوصٌ أخرى ، يا محسن ؟ ..وحين أجبته بإيجاب ، وأنني أحتفظُ بها في “ دفترٍ “ صغير ، طلبَ مني أن أعيره ذلك “ الدفتر “ الذي يحتضنُ “ خربشاتي “ البريئةَ الساذجةَ الأولى. غابَ “ الدفتر “ عنده أسبوعًا ، وحين طلبتُهُ منه أعطاني أربع ورقات بوصفها “ دراسةً “ لتلك “ الخربشات “، وقال لي بمحبّةٍ غامرة :[ اقرأ هذه الوريقات ، وانسَ أمر ذلك “ الدفتر “] ..حين قرأتُ ما كتبه أستاذي الجليل ، وجدتُ تشجيعًا كبيرًا ، و ملاحظاتٍ كثيرةً ، ومقترحاتٍ أكثر ..أهمُّها أنْ أقرأ كثيرًا وأنْ تكونَ القراءةُ خبزيَ اليوميَّ ، ووضع قائمةً بأهمِّ الكتب التي ينبغي عليَّ قراءتُها. كم أنا مدينٌ لذلك الأستاذ الجاد ، الرصين ، المثقف ، والمحترم ..أستاذي الذي كان يقرأ بنهمٍ ودَأبٍ ومحبّةٍ جعلَ أفقي القرائيَّ واسعًا ومختلفًا ، وجعلني لا أركَنُ إلى تلك البداياتِ الساذجةِ البسيطةِ الأولى وكأنَّها فتحُ الفتوح. 6 فيما كنتُ طالبًا في المرحلة المتوسطة ، فوجئتُ بأن نصًّا لي نُشِرَ في إحدى الصفحات الثقافية المخصصة للمبدعين المعروفين وليس في صفحات “ المبتدئين “ ، لقد كتبته ـ وأرسلته عبر البريد العادي ـ على أنه “ خاطرة “ لكن القاص الكبير فهد الخليوي ـ الذي كان يشرف على الثقافة في مجلة ( اقرأ ) ـ اعتبره سردًا جميلًا ووضع أعلى النص توصيفًا أدهشني ، هكذا “ قصة قصيرة “ ، مصحوبًا برسمٍ جميلٍ بريشةِ الفنان محمد مهداوي. تلك الليلة طار من عينيّ النوم من شدة الفرح. بعد حفاوة الخليوي بخاطرتي تلك ، كتبتُ محاولاتٍ قصصيةً تولاها بعنايته القاص المبدع سباعي عثمان صاحب المجموعة القصصية الشهيرة “ الصمت والجدران “ ) واحتفى بنشرها في “ دنيا الأدب “ - الملحق الثقافي لصحيفة “ المدينة “ - الذي كان يشرف عليه ، ولقد كان سباعي - رحمه الله - كاتبًا كبيرًا و رائدًا في مجال القصة القصيرة في بلادنا ، كرّسَ حياته المهنية للحفاوةِ بالأقلام التي يرى أنها “ واعدة “. أيضًا لا أنسى موقف الشاعر الكبير علي الدميني الذي كان مشرفًا على “ المربد “ - الملحق الثقافي الجميل الذي كان يصدر عن جريدة “ اليوم “ في الدمام بالمنطقة الشرقية. لقد أرسلتُ له من “ جزيرة فرسان “ - عبر “ البريد العادي “ - في أواخر العام 1981 - إن لم تخذلني الذاكرة - قصيدةَ تفعيلة .. كنت يومها طالبًا في الصف الثاني الثانوي ، ولم يكن الدميني يعرفني أنا القابع في الظلِّ والعتمةِ والزرقةِ النائية ، بينما هو شاعرٌ معروفٌ ومثقفٌ ذائعُ الصيت ، وكان مشرفًا على أجمل وأهم ملحق ثقافي في المملكة في ذلك الوقت ، وكان يكتب فيه عدد كبير من الكتاب والشعراء السعوديين والعرب الطليعيين أذكر منهم ماجد أبو شرار ، وأمجد ناصر ، ومحمد القيسي ، ويوسف أبو لوز ، ويوسف عبد العزيز ، ومحمد الشنطي ..الخ لقد كانت مفاجأة كبيرة أن ينشر الدميني تلك القصيدة في الصفحة الأولى من “ المربد “ تحت مسمى ( قصيدة العدد ) ، محتلةً نصف الصفحة ، ومصحوبةً برسمٍ مميز. والذي أبهجني أكثر أنَّ الشاعر يوسف أبو لوز كتب عنها - في العدد الذي يلي هذا العدد - كتابةً طويلةً عميقةً ليس بوسعي نسيانها حتى هذه اللحظة. بقي أن أذكر موقفًا مهمًّا ، أشير إليه بإيجازٍ هكذا : ذات أمل ، أرسلتُ بالبريد العادي أيضًا نصًّا مفتوحًا إلى الملحق الثقافي بصحيفة “ الجزيرة “ ، وكان يشرف على ذلك الملحق آنذاك القاص المبدع سعد الدوسري. فوجئتُ بسعد - الذي لم يكن يعرفني - ينشر النص في زاويته “ باتجاه الأبيض “ التي كانت بمثابة افتتاحية لذلك الملحق الثقافي الجميل ، نعم فوجئتُ به يكتب هذه الإشارة أو الإضاءة الاحتفالية هكذا : “ يكتب الافتتاحية هذا الأسبوع عبدالمحسن يوسف “ ، في تلك اللحظةِ نبتت لي عشراتُ الأجنحة وحلقتُ عاليًا. لقد كنتُ حينذاك مبتدئًا في عالم الكتابة ، بل كنتُ مغمورًا جدًّا ، وطالبًا في الصف الثالث الثانوي ، أعيش في “ جزيرة فرسان “ ، بعيدًا عن صخبِ الحياة الثقافية في العاصمة والمدن الكبرى.