«جريمة العمران»

قد تكون مدرسةٌ تفتح أبوابها في الصباح أخطرَ على أيديولوجيا مغلقة من ألف خطاب يهاجمها، و قد تربكها مدينةٌ يتسع فيها الأمل أكثر مما تربكها مناظرة، فالمدرسة تمنح الإنسان فرصة، و المدينة تمنحه حياة، و كلتاهما تضع أمامها السؤال الذي أمضت عمرها في تأجيله، ماذا لو بلغ الناس مستقبلهم من دون المرور ببوابتك؟ تبدأ الحكاية حين تحتكر جماعةٌ تفسير العالم، ثم تحتكر تشخيص أوجاعه، ثم تمنح نفسها الحق الحصري في علاجه، فيصبح كل تعثّر دليلاً على صدقها، و كل أزمة شاهداً لمصلحتها، و كل خيبة فرصة لتقول للناس إنهم لم يتبعوها بما يكفي، هكذا تُحكم إغلاق الدائرة، و تحتمي بوعد مؤجل، و عدو دائم، و خلاص معلّق، تمنع الناس من اختبار صدقها في حياتهم. أما الدولة فتواجه أسئلة يمكن التحقق من أجوبتها، كم مدرسة افتُتحت؟ ماذا تعلّم طلابها؟ كم فرصة عمل أُتيحت؟ و كيف تحسّن معاش الناس؟ فالمدرسة تُحصى، و جودة التعليم تُقاس، و المستشفى يُبنى، ثم يُسأل عن كفاءة علاجه، هنا تبدأ الدولة في إفساد الحكاية، حين تُدخل معيار النتيجة إلى ساحة اعتادت أن تكتفي بالهتاف. و في وعينا الديني أصلٌ عميق لتقدير أثر النعمة في حياة الإنسان، قال تعالى في سورة قريش، ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾، رزقٌ يدفع الجوع، و أمنٌ يبدّد الخوف، نعمتان تستوجبان شكر الله و عبادته، و تذكّران بأن لطمأنينة الإنسان وزناً لا يجوز إهداره تحت ضجيج الشعارات. و حين ينجح العمران خارج دائرة الجماعة، حين يتعلم شاب، و تعمل امرأة، و تنهض مدينة، من دون أن يتخلى الناس عن دينهم أو يذوبوا في غيرهم، يصبح النجاح امتحاناً لادعاءاتها، فإمّا أن تراجعها، و إمّا أن تبحث له عن تهمة، و هنا تنتقل بعض الخطابات من اتهام الدولة بالعجز إلى اتهامها بالتغريب، و من الشكوى من انغلاقها إلى تخوين انفتاحها، يبقى الحكم ثابتاً، و تُفصّل له التهمة على مقاس كل إنجاز. و قد عنون ابن خلدون فصلاً من مقدمته، «في أن الظلم مؤذن بخراب العمران»، رابطاً العدوان على الناس في أموالهم بذهاب آمالهم في تحصيلها، و انقباض أيديهم عن السعي في المعاش، و لخّص ابن تيمية مكانة العدل بقوله، «العدل نظام كل شيء، فإذا أُقيم أمر الدنيا بعدل قامت»، في هذين المعنيين ما يعيد النقاش إلى أثر الحكم في واقع الناس، حيث لا تستطيع راية مرفوعة أن تعوّض حقاً مهدراً. لكن الأيديولوجيا التي تتحصّن من المحاسبة تقلب هذا الميزان، تمنح الخراب اسماً بطولياً، و تجعل السؤال عن أسبابه شبهة، و تحاكم العمران لأنه يكشف إمكان حياة أفضل، تلك «جريمته»، إنه يضع أمام الناس مقارنة لم تأذن بها الجماعة، بين ما تطلبه منهم، و ما تمنحه لهم، و ما كان يمكن أن تكون عليه حياتهم. و يمنح اليوم الوطني السعودي هذا السؤال معناه القريب، ماذا يصنع الانتماء في حياة صاحبه؟ تتجسد الإجابة في التعليم و العمل و الأمن و الثقافة و الفرص، و في شعور الإنسان بأن له مكاناً في المستقبل، فكلما اتسعت قدرته على تحقيق طموحه داخل بلاده، ازدادت صلته بها عمقاً، و صار الوطن تجربة يومية يعرف قيمتها. من هنا يُقرأ جانب من الخصومة الأيديولوجية مع المشروع السعودي، فالمملكة تقدم احتمالاً عملياً لاجتماع الاعتزاز بالدين و الهوية مع المشاركة في العصر، و يضع هذا الاحتمال الخطابات المغلقة أمام عبء الإثبات، كيف تفسّر حياة تتقدم خارج وصايتها؟ و كيف تقنع شاباً بأن مستقبله مستحيل، و هو يرى أبوابه تُفتح أمامه؟ و من هذا الباب يمكن قراءة التصعيد الحوثي ضد المملكة، إلى جانب حساباته الأمنية و السياسية، فالجماعة التي تستمد سلطتها من استمرار التعبئة تُسأل أيضاً عمّا صنعت بمن تحكمهم، ماذا بقي للمواطن من راتبه و مدرسته و أمنه؟ و لماذا يُطلب منه أن يقدم التضحيات، فيما تُمنح القيادة حصانة من السؤال عن النتائج؟ حين تصبح المعركة جواباً جاهزاً، تُؤجَّل المساءلة، و يُفسَّر الفقر بالعدو، و يُبرَّر القمع بالضرورة، و يُتهم المعترض بخدمة الخصوم، حتى يغدو المواطن غريباً عن حقوقه، يطالب بها و هو يشعر بالذنب، و لهذا يحرج الاستقرار من اعتاد الحكم بالتعبئة، فهو يعيد إلى الواجهة أسئلة الإنجاز، و الموارد، و الوعود التي انتهت آجالها. و الإنصاف يقتضي أن يعمل المعيار في الاتجاهين، فالدولة التي تطلب أن يُرى إنجازها، تقبل أن يُرى ما لم تنجزه بعد، و أن تُقاس جودة الخدمة كما يُحصى عدد منشآتها، هنا يصبح النقد المسؤول جزءاً من حماية المشروع، و تصبح المحاسبة ضمانة لصدقيته، إذ لا معنى للاحتكام إلى النتائج ثم الاعتراض على مَن يفحصها. و في الحالة السعودية، يمنح الجمع بين حماية السيادة و مواصلة البناء هذا المعنى ثقله، فالحماية تصون قدرة الناس على الحياة، و التنمية تمنح الحماية غايتها الملموسة، يعرف المواطن ما يدافع عنه حين يرى في بلاده بيته، و ذاكرته، و فرص أبنائه، و يدرك أن المستقبل الذي يحميه يتشكل كل يوم أمامه. حين يملك الإنسان ما يأمل فيه، يصعب اختزاله في غضب دائم، و حين يرى ثمرة الاستقرار، يصبح أقدر على كشف مَن يصادر حياته باسم خلاص يؤجله، تلك هي الدولة التي تُفسد الحكاية، مدرسةٌ تفتح أبوابها في الصباح، فيكتشف الداخلون إليها أن المستقبل الذي قيل لهم إنه بعيد، يبدأ من هذا الفصل. خط أخضر: تجّار الخلاص يبيعون الغد دائماً، لأن اليوم قابلٌ للعدّ.