عقدةُ « أَنــا اللــي فـوق ».
يُروى أنَّ فتاةً صغيرةً سألت أمَّها -وهيَ منهمكةٌ في حلبِ شاتِها-: – “العيد قرَّب، فمتى تشترينَ كسوتِي؟” – قالتِ الأمُّ بيقينٍ مطلقٍ: “يكسيكِ اللي فوق”. لكنَّ الحكايةَ لم تنتهِ عندَ هذا الحدِ بل بدأَت، فقد كانَ هناكَ لصٌّ قد تسلَّلَ إلى الحظيرةِ، ولما أحسَّ بخطواتِ الأُمِ قفزَ وتعلَّق بساريةِ السَّقفِ، تشبَّثَ بالخشبةِ في الأَعلى، وصارَ هو حرفيًا “اللي فوق”، فلمَّا سمعَ الأمَّ تقولُ: “يكسيكِ اللي فوق” تحدَّث لحظتَها خارجَ السياقِ؛ لأنَّه تصوَّر ألَّا أحدَ فوقَه، افتضحَ أمرهُ وسقطَ، لم يُسقِطه كلامُه، بل وهمه أنَّه لا أحدَ فوقَه. هذهِ هيَ عقدتُنا جميعًا، كلُ إنسانٍ في لحظةٍ ما يظنُّ أنَّه هو “اللي فوق” ولا أحدَ سواه، المديرُ في شركتهِ ينسَى أنَّ فوقَه إدارةٌ، وفوقَ الإِدارةِ سوقٌ، فيتصرفُ كأنَّه هو الرزاقُ يمنعُ ويعطِي، والمسؤولُ يظنَّ أنَّ كرسيَّه هو أعلى نقطةٍ في الوجودِ فلا يرى أحدًا فوقَه يحاسبُه، والموظفُ الصغيرُ خلفَ الشُّباكِ يظنُ للحظةٍ أنه هو “اللي فوق” الذي يتحكمُ بمصيرِ المراجعِ، معظمُنا يلعبُ دورَ ذلكَ اللص، نرتفعُ مترينِ عنِ الأرضِ فنظنُّ أننا ارتفعنَا فوقَ البشريةِ، اللصُّ لم يكن مغرورًا بقدر ما كان واهمًا، نظرَ تحتَ قدميهِ فرأَى الأمَّ وابنتَها ولم يرفع رأسَه ليرى السَّماء فوقَه، ولو رفعَ رأسَه لعرفَ أنَّه مجرَّد متعلقٍ خائفٍ على وشكِ السُّقوطِ، وليس “اللي فوق”، وهكذا نحن ننظرُ لمن هُم تحتَنا فنظنُّ أنفسَنا كبارًا ولا ننظرُ لمن هُو فوقَنا، الأمُّ كانت فقيرةً لكنَّها كانت حرةً؛ لأنها علَّقت رجاءَها بمن هُو فوقَ الجميعِ، أما اللصُّ فكان أسيرًا لخشبةٍ؛ لأنَّه ظنَّ نفسَه هو من في الأَعلى، فلا أحدَ هو (اللي فوق .. إلَّا اللي فوق)!