انتوني فان ديك، رسام بلجيكي ولد عام 1590م، ساعدته الأجواء الفنية التي سادت مدينة “أنتورب” ثاني أكبر مدينة في بلجيكا في الإقليم الفلامندي، التي سيطر عليها فن”روبنز” في تكوين شخصيته الفنية، وكانت أولى أعمال “ديك” في تلك الفترة الاهتمام بالأصول الإغريقية، واحياء التقاليد الرومانية، واضعا فكرة التنوير في المجالات التعبيرية، حيث جسد الفن الكلاسيكي بالجمالية المثالية، وإتباع مجموعة من القواعد الصارمة والمواصفات الثابتة، في وضع مثالي ونسب نموذجية، والالتزام بالقواعد الأصلية، كالمنظور وسيادة الخطوط والفخامة في الألوان والتظليل والنور والضوء المسلط عليه، لإبراز اللوحة التي تعطي للأجسام الإحساس بكتلتها أو استدارتها، تعكس مجموعة من القيم والمفاهيم، على اعتبار ان غايتها القصوى، تجسيد جوهر الجمال النابض بالحياة في شتى صورها، وكان ينبذ الألوان القاتمة، والأشكال الهندسية، واعلاء العقل والمنطق على حساب الروح والإحساس والخيال، ويدعو الى ان تكون اللوحات أكثر إضاءة وأكثر ألوانا وتأثيرا، للوصول إلى أسلوب خاص يميزه، وفي فترة مسيرته رسم بورتريهات لأفراد عائلته واقاربه ومعارفه، بتجسيد الجمال واظهاره بكل تفاصيله وحيويته وبراعته في التصوير، ويزدهي فيها التعبير عن المشاعر والأحاسيس الصادقة، كانت من أهم أعماله، وفي فترة من الوقت، أمضى “ديك” عدة أشهر في القصر الملكي في بروكسل، ثم سافر الى ايطاليا واقام في مدينة “جنوا” حيث رسم بورتريهات لنبلاء المدينة والطبقة البرجوازية، وزخرفة وتزيين الكنائس، والهمته اعمال (تيتسيانو) التي تعتمد على تركيز الكتلة في قلب اللوحة، والمبالغة في تكريس الخطوط وتحديد معالم الجسد والوجه تسجيلا دقيقا، سواء في الألوان والخطوط والظلال، والتركيز على دقة تشريح الاجسام وتناسقها والمبالغة في انحرافات أجزاء الجسم وحركته، ويركز في اظهار الحالة النفسية للشخص الذي يرسمه، والتَعْبِير عن انفعالاته، دون ان يترك مجالا للتفسير؟ لأن في قناعته أن (كثرة الإيضاح يفسد الفن) مثل لوحة (سوزانا والحكمة) و(نقود الجزية) وأعجب بأعمال “جورجوني” حيث استلهم التعبير عن الفخامة والوَقار والجمال، وتحويرها بشكل مبتكر، كي تبدو مثالية، وفي نهاية عام 1627م، عاد إلى “انتورب” فرسم لوحة (الأعمار الثلاثة للإنسان)، ونفذ العديد من طلبات الرسم والزخرفة مثل لوحة (PETER STEBENS) ولوحة (SNYDER AND HIS WIFE) محفوظة في متحف كاسل، وفي عام 1628م حصر جهده برسم اللوحات الدينية كبيرة الحجم، لعدة كنائس في بلجيكا وفرنسا وميونخ، بألوان غنية وزخارف ومساحات لونية مبهرة، مبنية على توازنات الكتلة مع فخامة التكوين، واستخدام الضوء الساطع والإحساس بالصرامة والحدة والقسوة، وتتميز بالصدق والرشاقة، في إيقاع متزن وتنسيق متوازِ، (مثل) (السيدة العذراء) محفوظة في متحف اللوفر، ولوحة (الهرب الى مصر) محفوظة في متحف الفنون القديمة في ميونخ، وفي أواخر حياته عينه الملك “شارلز الأول” ملك بريطانيا، الرسام الرئيسي في القصر الملكي ومنحه لقب “فارس” ، ويُذكر انه في خلال مسيرته والى العام 1640م ، رسم اكثر من 400 لوحة، كانت بمثابه الإلهام للعديد من الرسامين الإنجليز والبلجيك والفرنسيين، وتعتبر اعلى المراحل الفنية في عصر النهضة، وسميت بفترة العصر الذهبي، كما ترك أثرا مهما على كبار الرسامين في القرن الثامن عشر، ويصنف انه من الفنانين الذين اخلصوا للرسم بحالته القواعدية بأسلوبه الخاص، ومطلبه الصارم واجب الإتباع، توفى في لندن عام 1641م .