شهادات محبة عن أبرز فرسان الثقافة في الوطن..
فهد ردة.. جزء أصيل من ذاكرة المسرح في المملكة.
ثمة رجالٌ يمرّون في تاريخ الثقافة بوصفهم أسماءً لامعة، وثمة رجالٌ آخرون يتحولون إلى علامات فارقة في مسارها، بحيث لا يمكن سرد الحكاية من دون المرور بهم. ومن هذه الفئة النادرة ينهض اسم فهد ردة الحارثي؛ لا لأنه كاتبٌ مسرحيٌ فقط، لكن لأنه أحد البنّائين الكبار الذين أسهموا في تشييد صرح المسرح السعودي الحديث، حجراً فوق حجر، وحلماً فوق حلم، حتى غدا ما أنجزه جزءاً أصيلاً من ذاكرة المسرح في المملكة وحضوره العربي. وإذا كانت الجوائز الكبرى تأتي أحياناً لتتويج المنجز، فإن المنجز الحقيقي هو الذي يستدعي الاحتفاء من تلقاء نفسه. لذلك لم يكن الالتفاف العربي الواسع حول تجربة فهد ردة الحارثي احتفاءً بجائزة، ولا مناسبةً عابرة فرضها الزمن الثقافي، بل كان احتفاءً بمسيرة كاملة استطاعت أن تجعل من المسرح السعودي رقماً فاعلاً في المعادلة المسرحية العربية، وصوتاً قادراً على أن يُسمَع ويُنصت إليه من المحيط إلى الخليج. في هذه الشهادات القادمة من العراق والأردن ولبنان وتونس والسعودية وغيرها، لا يتحدث المسرحيون العرب عن فردٍ بقدر ما يتحدثون عن ظاهرة ثقافية. يتحدثون عن كاتب جعل النص السعودي يعبر الحدود بثقة، وعن مؤسس آمن بأن المسرح لا يُصنع بالعروض وحدها، بل بصناعة الإنسان المسرحي، وعن حاملٍ للراية ظلّ يزرع في الأرض القاحلة ما يكفي من الشغف كي تتوالد الأجيال وتتجدد التجارب. لقد رأى هؤلاء في تجربة الحارثي صورةً لمسرح سعودي استطاع أن يخرج من دائرة التلقي إلى فضاء المبادرة، ومن هامش المشهد العربي إلى قلبه . ولذلك جاءت كلماتهم محملةً بما هو أبعد من الثناء؛ جاءت باعتبارها اعترافاً عربياً بقيمة مشروع ثقافي طويل النفس، أسهم في ترسيخ مكانة المسرح السعودي وتكريس حضوره الجمالي والفكري في أهم المحافل والمهرجانات العربية. هذه الصفحات إذن ليست ملفاً عن شخص، بل عن رحلة وطنٍ ثقافي تجسدت في أحد أبرز فرسانه. إنها شهادة محبة ووفاء واعتراف، يكتبها المسرحيون العرب لرجلٍ ظلّ وفياً للخشبة حتى صار اسمه مرادفاً لها، ولعرّابٍ لم يكتفِ بأن يحلم بمسرح سعودي كبير، بل أسهم في صنعه، حتى أصبح ذلك الحلم جزءاً من المشهد العربي المعاصر، وحقيقةً تحتفي بها المنابر وترددها أصوات المسرحيين في كل مكان. *كاتب وممثل مسرحي، ساهم في إعداد الملف.