حين نتحدث عن الطاقة في المملكة العربية السعودية، فنحن نتحدث عن قطاع ارتبط لعقود بمكانة المملكة الاقتصادية وتأثيرها العالمي. لكن ما يحدث اليوم في منظومة الطاقة في المملكة يتجاوز الصورة التقليدية المرتبطة بالنفط والغاز؛ إلى منظومة أكثر اتساعًا تشمل أمن الإمدادات، وكفاءة الطاقة، والطاقة الذرية والمتجددة، والهيدروجين، والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتوطين المعرفة والمحتوى المحلي. وفي قلب كل ذلك يأتي الإنسان الذي سيقود هذه المنظومة مستقبلًا. وهذا، من وجهة نظري، أحد الجوانب المهمة في التحول الذي تقوده وزارة الطاقة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-. فالتحول لا يظهر فقط في حجم المشروعات أو تنوع مصادر الطاقة، بل في طريقة إدارة المنظومة، وبناء قدراتها، والاستثمار في الإنسان داخلها وخارجها. ولعل الأمير عبدالعزيز بن سلمان -حفظه الله- وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية لخّص جانبًا من هذه الفلسفة حين قال في المنتدى السعودي للإعلام: «صُنّاع التأثير في احتياج لصُنّاع التغيير»، مؤكدًا أن مفهوم صُنّاع التغيير في المملكة أصبح مفهومًا شموليًا، وأن على كل واحد منا أن يشعر بأنه صانع للتغيير. هذه العبارة تختصر الكثير مما يحدث داخل منظومة الطاقة؛ فالتغيير المستدام لا تصنعه القرارات وحدها، مهما كانت أهميتها، ولا المشروعات مهما بلغ حجمها، بل يصنعه أيضًا الإنسان الذي يفهم الهدف، ويمتلك المعرفة والأدوات، ويجد البيئة التي تمنحه الثقة والمساحة للمشاركة في تحقيقه. والمملكة، التي رسخت على مدى عقود مكانتها بوصفها إحدى أهم القوى المؤثرة والموثوقة في أسواق الطاقة العالمية، تعمل اليوم على تطوير مزيج متنوع للطاقة، والاستثمار في تقنيات المستقبل، وتوطين المعرفة وسلاسل القيمة. وبالتوازي مع ذلك، تولي وزارة الطاقة اهتمامًا ببناء القدرات الوطنية وإعداد الكفاءات التي ستدير هذه التحولات وتواصل تطويرها. فالمنشآت يمكن بناؤها، والتقنيات يمكن استقطابها، لكن بناء الإنسان يحتاج إلى سنوات من التعليم والتدريب والتجربة والتمكين. ولهذا تتنوع برامج منظومة الطاقة بين التدريب والتأهيل والابتعاث والشراكات، وتمتد إلى مجالات مستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات والتحول الرقمي وتقنيات الطاقة المتجددة. لكن الاهتمام بالإنسان لا يتوقف عند التدريب والتأهيل، بل يظهر أيضًا في ثقافة التمكين داخل الوزارة. ومن الأمثلة التي استوقفتني أثناء اطلاعي على نشرة «طاقة» مبادرة «الدور دورك»، التي انطلقت بدعم وتوجيه من سمو وزير الطاقة، لتضع موظفي وموظفات الوزارة في قلب عملية تطوير بيئة العمل. وقد جمعت أكثر من ألف مشاركة تضمنت ما يزيد على ثلاثة آلاف مقترح وملاحظة، انعكس عدد منها على تحسين بيئة العمل ومرافق الوزارة. وربما تكمن أهمية المبادرة في بساطة فكرتها: أن الموظف ليس متلقيًا للتغيير، بل شريك في صناعته. فالتمكين الحقيقي يبدأ حين تمنح الإنسان فرصة للمشاركة، وتستمع إليه، ثم يرى أثر فكرته في المكان الذي يعمل فيه. ولا يتوقف هذا الاهتمام عند حدود الوزارة، بل يمتد إلى المجتمع من خلال جهود التنمية المجتمعية ودعم القطاع غير الربحي المتخصص في الطاقة، بما يعزز المسؤولية الاجتماعية والعمل التطوعي والابتكار وبناء الشراكات. ومن النماذج التي تعكس هذا التوجه جمعية المرأة والطاقة، وهي جمعية وطنية غير ربحية تأسست عام 2023 وتشرف عليها وزارة الطاقة، وتعمل على تطوير وتمكين الكفاءات النسائية السعودية في القطاع وبناء قدراتها المهنية والقيادية. وهذه النماذج، على اختلافها، تلتقي عند فكرة واحدة: أن بناء مستقبل الطاقة لا يتعلق بالمشروعات وحدها، وإنما بإتاحة المجال للكفاءات الوطنية، رجالًا ونساءً، للمشاركة في هذا المستقبل وقيادته. وهنا تتجسد فلسفة التحول الذي تقوده وزارة الطاقة في المملكة بقيادة سمو وزيرها الأمير عبدالعزيز بن سلمان -حفظه الله-؛ تحول يهتم بالمشروع وبمن يقوده، ويطور المؤسسة بمشاركة موظفيها، ويبني قدرات المستقبل، ويوسّع في الوقت نفسه أثر منظومة الطاقة في المجتمع. ومع اتساع هذا التحول، يبرز بُعد آخر لا يقل أهمية عن الإنجاز نفسه: صناعة التأثير. فالتحولات الكبرى لا يكفي أن تحدث، بل من المهم أن تُفهم، خصوصًا في قطاع تتقاطع فيه مصالح المواطن والمستثمر والأسواق العالمية والمنظمات الدولية والإعلام. وهنا يأتي دور الاتصال الاستراتيجي؛ ليس للترويج للإنجازات، وإنما لتفسيرها، وبناء الوعي والثقة حولها، وتحويل المشروعات والسياسات والأرقام إلى معنى يدركه المجتمع والشركاء والعالم. فالإنجاز يصنع واقعًا جديدًا، والاتصال الفاعل يساعد على فهم هذا الواقع وتعظيم أثره. ولاشك أن هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة مع استعداد الرياض لاستضافة مؤتمر WPC Energy الخامس والعشرين خلال الفترة من 11 إلى 15 أكتوبر 2026، للمرة الأولى في تاريخ المملكة، بمشاركة واسعة من قادة وصنّاع القرار في قطاع الطاقة العالمي. وسيكون الحدث فرصة لا لعرض ما حققته المملكة في قطاع الطاقة فحسب، بل لتقديم تجربة أوسع في كيفية بناء منظومة تجمع بين الموارد والتقنية والابتكار والإنسان، وتوازن بين متطلبات الحاضر والاستعداد للمستقبل. وربما يكون السؤال الأهم ونحن نستقبل هذا الحضور العالمي في الرياض: من سيقود منظومة الطاقة السعودية بعد عشرة أو عشرين عامًا؟ حين يكون الجواب جيلًا سعوديًا يمتلك المعرفة والثقة والقدرة على اتخاذ القرار، ويعمل في بيئة تمنحه مساحة للمبادرة والمشاركة والابتكار، فإن المملكة لا تبني مستقبلًا للطاقة فحسب، بل تبني الإنسان الذي سيقود هذا المستقبل. فالطاقة الحقيقية ليست فقط فيما نملكه من موارد، بل فيما نبنيه من قدرات وطنية، وما نمكّنه من عقول، وما نصنعه من قيادات قادرة على مواصلة التغيير وصناعة التأثير. * إعلامي سعودي X: @mnalabdulsalam