من الإنذار إلى الاستبشار
يسألونك، أنت المغمور بالرضا، المتدفّق رأسُه بالفرح وخمرةُ الدلال في الفضاء النائم، عن الاحتفال بالوطن!! تحريضٌ بذل قصارى جهده ليتجاوز الوحش الكامن في أعماقهم. ينحدر الإنسان نحو الطفولة، يرمي الوعي وتحليل الخرائط وعصبية الجهات واللهجات واستبداد الآراء، ويندمج مع هذا الحب المطلق، البكر، ومستهلّ الهوى: الوطن وشعابه. نحن الورثة الذين ينصبون الصواري، ويطرّزون الأشرعة بـ«لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، والذين يشهرون سيف المحبة فخرًا وزهوًا أمام المنفيين والمتوحشين على تخوم غابة التعسّف والانحطاط. نحن أمطار الحقول، وصوت السعف في الحكايات القديمة، نحن الشجر اليابس، والحب العاري، وأصوات المؤذنين. نحن الأعاصير والنسائم، وجمهور الخضرة والبياض. نحن النخيل المندفع نحو الجذور عميقًا، نحو حنجرة الأرض، توقًا إلى الشمس في كل الاتجاهات. نحن اليوم أكثر رحابةً من كل البلاد، وأكثر حنانًا ووضاءةً. السماء صلاة، والأرض فردوس الأبناء، والكنز الثمين يستحق الاستلهام والاستنطاق والانبهار والتقليد. ولعل روايات الولاء هي الأكثر تكاملًا وخصوبةً وجماليةً من الصراخ وإطلاق نار الصراع. جئنا «لنعمرها»، ولتتفجر الينابيع الباردة، وتنفتح الأزهار في المنازل المباركة والأراضي الطيبة. وها أنذا أكافح في محيط الكتابة انهمارات النيازك، وانتزاع القلب نحو دويّ رصاصة، وأسدُّ فم الجائع للوشاية، في اللحظة التي أدفن فيها وجهي في ملاذي الآمن، وأتنفّس السلام.