في اليوم العالمي للمعلم..

حين تتجاوز المدرسة جدرانها.

في اليوم العالمي للمعلم، لا أجدني أحتفي بمهنةٍ أمارسها فحسب وأسير إليها كوظيفة فقط بعيدا عن أي معنى، بل أستعيد حكاية عمرٍ اختلط فيه التعليم بالذاكرة، والطالبات بالقلوب، والمدرسة بمعنى أعمق من جدرانها ومقاعدها. أعود بذاكرتي إلى الشمال… إلى تلك السنوات التي حملتني فيها مهنة التعليم إلى مكان بعيد عن مدينتي، وهناك، بين الطرق الطويلة وبرودة الشمال وهدوء الأمكنة وبساطة الحياة وترابط المجتمع ودهشة الحكايا، اكتشفت أن المسافة داخل الوطن لاشيء. كانت سنوات الشمال من تلك السنوات التي لا تنتهي بانتهاء أيامها؛ لأنها تركت في النفس شيئًا منها .. دائما للبدايات دهشتها تأثيرها في النفس ورسوخها في الذاكرة.  علّمتني تلك السنوات أن المعلم قد يصل إلى مكان لا يعرفه، لكنه يستطيع أن يترك فيه أثرًا يعرفه الجميع. هناك فهمت أن التعليم ليس كتابًا يُشرح، ولا منهجًا يُنجز، ولا حصةً تنتهي بانتهاء الجرس. التعليم علاقة. وأمانة. وأثر. وفي كل عام يمضي، كنت أرى كيف تكبر طالباتي أمام عيني وأستقبل بعد مغادرتي للشمال رسائلهن وهن قد وصلن لأحلامهن وأكملن دراستهن الجامعية تلك الرسائل لها فرحة المطر ودهشته.  وكيف يمكن لكلمة من معلمة أن توقظ في طالبة ثقةً لم تكن تعرف أنها تملكها، وكيف يمكن لتشجيع بسيط أن يفتح بابًا لمستقبل كامل. ولهذا، كلما سألني أحد عن أجمل ما في التعليم، لا أستطيع أن أختصر الإجابة في كلمة واحدة. “أجمل ما فيه أنني كنت شاهدة على بدايات كثيرة”. طالبة دخلت الصف مترددة، ثم خرجت منه أكثر ثقة. وأخرى اكتشفت موهبتها. وأخرى أخفقت ثم عادت وحاولت. وأخرى ربما لم تعرف قيمة ما قيل لها إلا بعد سنوات. وربما لن أعرف أبدًا كم من الكلمات التي قلتها بقيت في ذاكرة طالبة، وكم من موقف صغير صنع فرقًا في حياتها. وهذا تحديدًا ما يجعل مهنة التعليم عظيمة؛ أن أثرها لا ينتهي حين تنتهي الحصة. إلى كل طالبة مرّت من هنا إن كنتِ يومًا طالبةً جلست أمامي، فاعلمي أنني لم أكن أراكِ مجرد اسم في كشف الحضور، ولا رقمًا في سجل الدرجات. كنت أراكِ مشروع إنسانة تصنع مستقبلها. قد تنسين بعض الدروس، لكنني أتمنى ألا تنسي أن لكِ قيمة، وأنك قادرة على التعلم والنهوض والمحاولة، وأن الخطأ ليس نهاية الطريق. لا تجعلي مقارنةً عابرة تهزمك، ولا نتيجةً واحدة تحدد صورتك عن نفسك. ابحثي عن موهبتك، وأحسني بناء علمك، واحفظي أخلاقك، وكوني نافعة حيثما كنتِ. فالوطن لا يحتاج فقط إلى أشخاص ناجحين، بل يحتاج إلى أشخاص يعرفون لماذا ينجحون، ولمن يكون نجاحهم. وإلى زميلاتي في الميدان أعرف أن الطريق ليس دائمًا سهلًا،نعرف ضغط الحصص، وكثرة الأعمال، وتعدد المسؤوليات، والأيام التي نعود فيها إلى منازلنا ونحن نشعر أن طاقتنا استُنفدت. لكنني أقول لكل معلمة: حين يتعبكِ الميدان، تذكري أنك لا تؤدين عملًا عابرًا. أنتِ تساهمين في بناء إنسان. وربما تقفين اليوم أمام طالبة لا تعرف ماذا تريد، ثم يأتي الغد فتجدينها طبيبة، أو مهندسة، أو معلمة، أو باحثة، أو قائدة، أو امرأةً صالحة تنفع أهلها ومجتمعها ووطنها واحتسبي الأجر وتذكري فضل معلم الناس الخير كما قال خير الخلق  صلى الله عليه وسلم  . وتذكري نحن لا نعلّم عقولًا فقط؛ نحن نلامس أرواحًا تتشكل. التعليم… إحدى صور الوفاء للوطن وحين أتأمل رحلتي في التعليم، من الشمال إلى حيث أنا اليوم في مدينة خير الخلق صلى الله عليه وسلم أجد أن أجمل ما منحني إياه هذا الطريق هو أنني لم أشعر يومًا أنني أعمل بعيدًا عن وطني، حتى عندما كنت في أقصى الشمال. كنت هناك لأن الوطن يحتاج إلى من يعلّم أبناءه وبناته في كل مكان،وهنا تكمن عظمة الخدمة. أن يدرك الإنسان أن الوطن ليس فقط المكان الذي يعيش فيه، وإنما المسؤولية التي يحملها تجاهه. أن تخدم وطنك لا يعني أن تكون في موقعٍ عظيم أو منصبٍ كبير،قد تكون الخدمة في فصل دراسي،في قلم معلمة،في كتاب طالبة،في فكرة تفتح أمام إنسان طريقًا جديدًا،وفي خلق جميل نغرسه ثم يمضي معنا إلى المجتمع. ولهذا أزداد امتنانًا كلما تذكرت أن الله أكرمني بمهنة أستطيع من خلالها أن أترك شيئًا نافعًا خلفي. لم تكن الرحلة دائمًا سهلة، لكنها كانت تستحق ولازلت مؤمنة أنها تستحق كل لحظة عطاء وسؤال الله القبول. وما بين شمالٍ حمل ذكريات البدايات، ومدرسةٍ أعيش فيها اليوم تفاصيل الميدان، وجوه كثيرة عبرت حياتي وتركت فيها أثرًا، وأظن أن أجمل ما يمكن أن يقوله المعلم بعد سنوات طويلة هو: الحمد لله أنني كنت معلّمًا. الحمد لله أنني خدمت وطني من موقعي. والحمد لله أنني تركت شيئًا من الخير في طريق أجيالٍ ستكمل المسيرة. وفي اليوم العالمي للمعلم، أهدي الامتنان لكل من علّم، ولكل من أعطى من وقته وقلبه وعلمه، ولكل من لا يزال يقف في الميدان مؤمنًا بأن التعليم رسالة تستحق أن تُحمل بمحبة وإخلاص وصادق الدعوات لكم أن يوفقكم الله ويسدد أقوالكم وأفعالكم. ختاما: أهدي هذا المقال إلى ابنتي لجين، وهي تبدأ هذا العام  خطواتها الأولى في الجامعة، ونظرتها إلى الوطن تترقب لحظة العطاء له،ربما يأتي يوم تجدين فيه أن العلم الذي تتلقينه اليوم ليس مجرد طريق إلى وظيفة، وإنما أمانة ستضعكِ يومًا في موضع عطاء،وحين تأتي تلك اللحظة، أتمنى أن تتذكري أن الوطن الذي منحنا الكثير، يستحق أن نعطيه من علمنا، ووقتنا، وإخلاصنا. كل عام والمعلم أثرٌ لا يزول، وكل عام والتعليم طريقٌ إلى المستقبل، وكل عام ووطننا يستحق منا أن نعطيه أجمل ما فينا “وطني وتختصر المسافة في فمي لأقول أنت بهذه الدنيا أنا” حفظ الله بلادنا وأدام عليها عزها واستقرارها وحفظ لنا ولاة أمرنا ملكنا الغالي سلمان بن عبد العزيز والملهم قائد الرؤية ولي العهد محمد بن سلمان حفظهما الله وأدام عزهما ووفقنا لخدمة هذا الوطن والدفاع عنه. *إدارة تعليم المدينة.