حين يكون المنع هو العطاء !

في ليلةٍ من الليالي المؤنسة كنتُ برفقةِ مجموعةٍ من الشباب الرائعين، شُداةِ العلمِ والمعرفة، ودارت بيننا أحاديثُ مؤثِّرة عن تجارب الحياة، وعن تدابير العزيز الحكيم فيها، ومضت ساعاتٌ بعد اللقاء ما فتئت أتأمل وأستشعر نِعَمَ الله علينا، وألطافَه التي نتلمَّسها في كُلِّ جانبٍ من جوانب حياتنا. فقلتُ في نفسي ما قاله الشاعر: إذا لم يَكُن عونٌ من اللهِ للفتى   فأولُ ما يَجنِي عليه اجتهادُهُ وتبصُّري هنا في آلائه عامة، أي عن العون والتوفيق، وحكمة الاختيار وحُسن تدبير العزيز الحكيم لأحوالنا وأحوال دُنيانا؛ عن تلك الأمور التي تكشف للإنسان مرةً بعد مرة أنه لا حول له ولا قوة إلا بالله. فكم من أمرٍ سعينا إليه ثم صرفنا الله عنه، فظننا في أول الأمر أن في فواته خسارة، ثم مضت تلك الأيام فإذا بنا نُدرك أن الخيرَ كلُّ الخيرِ كان في صَرفِه عنا ، وقد صرفه الله بلطُفهِ ورحمتهِ. وكم من بابٍ أُغلِقَ في وجوهنا، فحسبناه تأخيرًا أو حرمانًا، ثم فتح اللهُ لنا من بعدهِ أبوابًا لم تكن في الحُسبان، فعَلِمنا أن ما أخَّره الله لم يكن ليضيع، وإنَّما كان يُدبَّره لنا ويعدّنا له في الوقت المُناسب. وكم من طريقٍ أردنا أن نسلكه فلم يتيسَّر لنا، ثم نظرنا إلى الوراء بعد سنوات، فحمدنا الله أننا لم نبلغ ما كنا نُريدُهُ يومها. تارةً يكون لطفُ اللهِ في هدايةٍ يهدي بها القلب، أو في توفيقٍ يسوقنا به إلى ما فيه صلاح، وتارةً يكون لطفه في منعٍ يحول بيننا وبين ما لا نعلم عاقبته، أو في تأخيرةٍ ندرك فيما بعد أن فيها تمام الخيرة. وهنا يتبيّن للإنسان معنًى عظيم، وهو أنَّ ما يختاره الله للعبد أجمل وألطف مما كان سيختاره لنفسه، وأن تدبيرَ الله أرحم من تدبيره لنفسه؛ فهو سبحانه وتعالى يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى، ويعلم أين يكون الخير ومتى يكون. ولعلَّ من أجمل ما تهبنا إياه تجارب الحياة أن نتعلم كيف نقرأ تفاصيلها بعينٍ أخرى؛ فلا نقف عند ظاهر المنع ولا عند مرارة التأخير ولا عند خيبة ما تمنّيناه، بل نتأمل ما وراء ذلك كله، أين كان لُطف الله؟ وأين كانت حكمته؟ وأين ساقنا تدبيره ونحن لا نشعر؟ إن مواقفَ الحياة وتفاصيلها هي التي ينبغي أن نتأملها؛ لنستشعر معاني الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الدالة على حسن الظن بالله، والتوكل عليه، والرضا بتدبيره، ونُوقن معها أن العبد مهما بلغ من سعيٍ وتدبيرٍ وأخذٍ بالأسباب، فإنه يظل ضعيفًا بنفسه، قويًّا بربه، لا حول له ولا قوة إلا بالله. ولعلَّ أجملَ ما ينتهي إليه المرء بعد كُلِّ هذه التجارب أن يقول بقلبٍ مطمئن: اللهم إنّي رضيتُ بتدبيرك، فدبِّر لي ما فيه خير، واختر لي الخيرة المُباركة، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين يا أرحم الراحمين.