خلف مرايا الثقافة..

حكايةُ الإنسان.

ليست الثقافة ما نتذكره من الماضي فحسب، بل ما يبقى منه فينا ونحن نمضي إلى المستقبل. هي كلمةٌ ننطق بها كما نطق بها آباؤنا، وحكايةٌ سمعناها في طفولتنا فلم ندرك معناها إلا بعد أن مررنا بتجربةٍ تشبهها، ومكانٌ غادرناه منذ زمن، ثم اكتشفنا أنه لم يغادر طريقتنا في النظر إلى الأشياء. وقد نستطيع أن نصف هذه المظاهر ونؤرّخ لها، لكن الأدب يطرح سؤالًا أعمق: ماذا تفعل الثقافة في روح الإنسان؟ وكيف يراها حين يحبها، أو يختلف معها، أو يخشى أن يفقدها؟ لا أظن الأدب مرآةً صافية تعكس المجتمع كما هو. فالمرآة تُظهر الوجوه، لكنها لا تبلغ ما وراءها من حيرةٍ ورجاء. قد نرى رجلًا جالسًا في مجلس أسرته، ولا نعرف القرار الذي يعجز عن إعلانه. وقد نرى امرأةً تعود إلى بيتٍ قديم، فنحسبها متعلقة بجدرانه، بينما هي تحاول أن تُبقي قريبًا منها صوتًا تحبه. يقترب الأدب من المسافة الخفية بين ظاهر الحياة وباطنها؛ وفيها تتجلى الثقافة، لا بوصفها عاداتٍ تُعدّد، بل حياةً تُعاش وتترك أثرها في الناس. وفي تراثنا حكاياتٌ تناقلتها المجالس، وأمثالٌ وُلدت من تجارب الناس، وقصائدُ حفظت أسماء الأمكنة وما ارتبط بها من مشاعر. غير أن الكاتب لا يصنع روايةً بمجرد أن يجمع هذه المفردات في صفحات. فالرواية تحيا حين تجعلنا نشعر بأن الماضي كان حياةً كاملةً لأناسٍ أحبوا وخافوا واختلفوا، وكانت لهم أحلامٌ لا تقل قربًا من أحلامنا، وإن باعدت بيننا وبينهم الأزمنة. في «مدن الملح» يرسم عبدالرحمن منيف عالمًا أخذت ملامحه تتبدّل مع اكتشاف النفط وتسارع التطور العمراني. لكنه لا يروي حكاية اتساع المدن وحده؛ بل يصغي إلى حنين الناس لما انحسر من أيامهم: ألفة المكان، ووجوهًا سكنت تفاصيله، وأشياء بدت عادية حتى غابت. ومع كل عمرانٍ جديد، يتوارى شيءٌ من العالم الأول؛ ولا يبقى منه سوى أثرٍ في الذاكرة وحكايةٍ تتناقلها الأجيال. وفي «الحرب والسلم» لتولستوي، تتسع الحكاية على زمن الحرب والتحولات التاريخية، لكنها لا تفقد إنسانها؛ نرى المجتمع الروسي من خلال أسرٍ وأفرادٍ تتقاطع حياتهم مع الأحداث الكبرى. كأن الرواية تذكّرنا بأن التاريخ الذي نقرؤه في أسماء الحروب والسنوات كان، بالنسبة إلى من عاشوه، أيامًا من الخوف والانتظار والاختيار. أما في «آمال عظيمة» لتشارلز ديكنز، فتتصل رحلة بيب بأسئلة المكانة الاجتماعية والطموح والصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه. ومن خلال تطلعاته وعلاقاته، لا نرى المجتمع الإنجليزي بوصفه طبقاتٍ فحسب، بل نرى كيف تدخل تلك الفوارق في أحلام الفرد ونظرته إلى الآخرين. تختلف هذه الأعمال في عوالمها، لكنها تلتقي في أمرٍ جوهري: الثقافة لا تحضر زينةً على هامش الحكاية، بل تشارك في تشكيل مصائر الشخصيات. ومع ذلك، لا تختزل الشخصية في مجتمعها؛ فقد ترث عاداته، ثم تسائلها، وقد تنتمي إلى المكان، ثم تشعر بالضيق فيه. وفي هذا التوتر بين ما ورثه الإنسان وما يريد أن يكونه، تتفتح مساحة الأدب الأرحب. فالحنين، على نُبله، قد ينتقي من الماضي ما يسرّنا ويترك ما شقّ على الناس احتماله. كم مرةً وصفنا بيتًا قديمًا بالدفء، ولم نسأل عمّن اضطر إلى مغادرته؟ الأدب لا يطفئ محبتنا للماضي، لكنه يمنحها بصيرة؛ يجعلنا نحب ما عرفناه، من غير أن نطلب ممن عاشوه أن يصمتوا عمّا آلمهم فيه. ومن هذه البصيرة تولد الدهشة: أن نكتشف أن أقرب الناس إلينا عاشوا حياةً لم نعرف منها إلا القليل، وأن صمتًا حسبناه رضا ربما كان وراءه صبرٌ طويل وأسئلة مؤجلة. لهذا نحتاج إلى الأدب البعيد كما نحتاج إلى أدبنا. حين نقرأ روايةً روسية أو إنجليزية، قد نبدأ بشعور الغربة، ثم نصادف شخصيةً تخشى أن تخيّب أمل أسرتها، أو تمضي في قرارٍ تعرف أنها ستندم عليه. نقترب من وجعها، لكن اختلاف عالمها يبقى حاضرًا، يدعونا إلى فهمه بدل أن نمحوه بتشبيهٍ سريعٍ بحياتنا. فالقراءة لا تثبت أن التجارب واحدة؛ إنها توسّع قدرتنا على الإصغاء إلى تجارب لم نعشها. وبالمقدار نفسه، يستطيع الأدب السعودي أن يصل إلى قارئٍ بعيد. لن يعرّفه بنا تعداد ملامح المكان وحده، على جمال الصحراء والنخيل والمدن القديمة، بل الإنسان الذي يعيش بينها: طموحه وتردده، وفاءه وما يعجز عن الوفاء به، وصلته بأهله وبالمكان الذي يتغير من حوله. فإذا صدقت الشخصية، رأى القارئ الأرض من عينيها، وأدرك أن ثقافتها أوسع من الصورة التي حملها عنها. فهل يعكس الأدب ثقافتنا أم دهشتنا؟ إنه يبدأ من الثقافة، من لغتها وذاكرتها وأمكنتها، لكنه يبلغ غايته حين يوقظ فينا الدهشة. يعيدنا إلى ما اعتدناه فنراه بعينٍ أقل استعجالًا، ويأخذنا إلى حياةٍ بعيدة فنعود أكثر انتباهًا إلى حياتنا. لا يهبنا أجوبةً نهائية عن أنفسنا؛ بل يترك لنا متسعًا لنراجع ما ظننّاه يقينًا. نغلق الرواية، وتبقى الأشياء في أماكنها: البيت، والشارع، والوجوه التي نلقاها كل يوم. غير أننا نصغي إلى حكايةٍ قديمة حتى نهايتها، ونتريث عند صمتٍ لم نكن نلاحظه، ونسأل عن حياةٍ ظننا أننا نعرفها. عندها ندرك أن الأدب لم يأخذنا من عالمنا؛ لقد أعادنا إليه، وفي أعيننا قدرةٌ جديدة على رؤيته.