في اليوم العالمي للمعلم ..

«الدرس» الذي يتردَد في أرجاء الوطن.

قد ننسى الدرس الذي شرحه لنا معلم في صباح بعيد، لكننا نتذكر كيف أنصت إلى إجابة مرتبكة، وكيف منحنا فرصة أخرى حين أخطأنا، وكيف رأى فينا قدرة لم نكن نراها في أنفسنا. في ذاكرة كل إنسان أسماء ارتبطت ببداياته؛ بعضها علّمه القراءة، وبعضها علّمه أن يرفع يده دون خوف، وبعضها جعله يكتشف أن مستقبله أوسع من حدود تصوره. هناك، في تلك التفاصيل الصغيرة، تبدأ مكانة المعلم، ويمتد أثره إلى ما بعد المدرسة بسنوات طويلة. يأتي اليوم العالمي للمعلم، في الخامس من أكتوبر، ليعيد توجيه النظر إلى مهنة نعرف حضورها اليومي، وقد لا نتأمل بما يكفي عمق مسؤوليتها. فالمناسبة التي تحتفي بها اليونسكو تتيح لنا أن نسأل: ماذا ندين لمن ساعدونا على فهم العالم؟ وكيف يتحول امتناننا إلى تقدير يرافق المعلم في عمله، ويمنحه ما يحتاج إليه لأداء رسالته؟ قيمة هذا اليوم في قدرته على تجديد وعينا بالتعليم، وبالإنسان الذي يجعل المعرفة ممكنة داخل الفصل. في المجتمع السعودي، تستند مكانة المعلم إلى تقدير راسخ للعلم وأهله، وإلى إدراك أن تربية الأبناء مسؤولية تتشارك فيها الأسرة والمدرسة. ولعل كثيرًا من البيوت تحتفظ بحكاية معلم ترك أثرًا في أحد أفرادها؛ شجّع طالبًا على مواصلة تعليمه، أو اكتشف موهبة، أو أعاد الثقة إلى طفل اعتاد مقارنة نفسه بالآخرين. هذه الحكايات تكشف جانبًا من تاريخنا الاجتماعي؛ فخلف مسارات مهنية ناجحة، وخيارات صنعت فرقًا في حياة أصحابها، يقف أحيانًا معلم قال الكلمة المناسبة في وقتها. والفصل الدراسي مساحة تختبر فيها هذه المسؤولية كل يوم. أمام المعلم طلاب تتفاوت قدراتهم، وتختلف ظروفهم، وتتباين طرق فهمهم. طالب يحتاج إلى إعادة الشرح، وآخر يحتاج إلى تحدٍّ يحفّز فضوله، وثالث يخفي صمته خوفًا من الخطأ. والعدل بينهم لا يتحقق بمجرد تقديم الدرس نفسه، وإنما بمحاولة منح كل منهم فرصة حقيقية للتعلّم. يتطلب ذلك معرفة وصبرًا وانتباهًا، ويجعل التعليم عملًا إنسانيًا دقيقًا، تتجاوز مشقته ما يظهر في جدول الحصص. وقد تتجلى براعة المعلم في موقف لا يُرصد في الاختبارات؛ حين يصحح إجابة دون أن يحرج صاحبها، أو يوقف سخرية من طالب، أو يشرح أن التفوق لا يمنح أحدًا حق التعالي. في هذه اللحظات يتعلم الأبناء كيف يحترمون الاختلاف، وكيف يتحملون مسؤولية كلماتهم، وكيف يتعاملون مع ضعف الآخرين. وتصبح القيم ممارسة يشاهدونها، لا عبارات يحفظونها. فالطالب يقرأ سلوك معلمه كما يقرأ كتابه، وربما بقي أثر السلوك حين غابت تفاصيل الكتاب. ومن هنا تتصل رسالة المعلم ببناء الوطن اتصالًا مباشرًا. التنمية تحتاج إلى الإنسان القادر على الفهم والعمل والتعاون، وإلى من يتقن مهمته ويعي أثرها في الآخرين. وفي هذا السياق، يضع برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج رؤية السعودية 2030، تطوير قدرات المواطنين والاستعداد للمستقبل في صميم أهدافه. ويمنح هذا التوجه عمل المعلم معنى وطنيًا ملموسًا؛ إذ تبدأ القدرة التي يحتاج إليها سوق العمل والمجتمع من أساس تعليمي يُبنى بعناية. لكن ربط التعليم بالتنمية يستدعي أن نتأمل معنى النجاح نفسه. فالدرجة المرتفعة مؤشر مهم، ومعها ينبغي أن ننظر إلى قدرة الطالب على تفسير ما تعلّمه، واستخدامه، ومراجعته. ماذا يفيد أن يحفظ معلومة ولا يستطيع أن يناقشها؟ وكيف تنمو موهبته إذا اعتاد انتظار الإجابة النموذجية في كل موقف؟ المعلم الذي يفتح باب السؤال، ويطلب من طلابه تفسير اختياراتهم، يساعدهم على بناء استقلال فكري يحتاجون إليه في الجامعة والعمل والحياة. وتزداد أهمية هذه المهمة مع التحولات التقنية. يستطيع الطالب اليوم الوصول إلى شرح سريع، أو الحصول على نص كامل بأداة من أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن سهولة الوصول تضع أمامه أسئلة جديدة: هل المعلومة صحيحة؟ وهل فهم ما قرأ؟ وهل يستطيع الدفاع عن الفكرة التي قدمها؟ هنا يتسع دور المعلم في توجيه الاستخدام، وتدريب الطالب على التحقق، وتعزيز الأمانة العلمية. وكلما تعددت الأدوات، احتاج المتعلم إلى حكم واعٍ يساعده على اختيار ما يخدم نموه. وهذه التحولات تتطلب من المعلم أن يواصل التعلّم أيضًا. فخبرته تتجدد بالممارسة والقراءة والتدريب، وبالحوار مع زملائه حول ما ينجح وما يحتاج إلى تطوير. وتشير وزارة التعليم إلى دور برامج التأهيل والتطوير المهني للمعلمين والمعلمات في تحسين مخرجات التعلّم ومواكبة مستهدفات التنمية الوطنية. ويصبح تقدير المعلم أكثر جدية حين يقترن بإتاحة الوقت والفرص لهذا التطور، وبالإنصات إلى خبرته بوصفه الأقرب إلى تفاصيل الفصل واحتياجات طلابه. ومن الإنصاف كذلك ألا نجعل الثناء على المعلم وسيلة لتحميله مسؤولية كل شيء. نجاح التعليم يتأثر بالأسرة والإدارة والمناهج والبيئة المحيطة، ويتطلب تعاونًا يحفظ لكل طرف دوره. تستطيع الأسرة أن تدعم معلم أبنائها بمتابعة متوازنة، وحوار محترم، وفهم أن معالجة الصعوبات تحتاج إلى شراكة. ويستطيع المجتمع أن يحفظ مكانة المهنة، مع إبقاء باب التقييم والمساءلة المهنية مفتوحًا؛ فالتقدير الجاد يعترف بالجهد، ويحرص في الوقت نفسه على جودة ما يتلقاه الأبناء. وحين نتذكر معلمينا، فإن أجمل صور الوفاء أن نرى ما بقي منهم فينا: دقة في العمل، وأمانة في القول، وصبرًا على التعلّم، واحترامًا لمن يحاول. ثم نحمل شيئًا من ذلك إلى الآخرين. في يوم المعلم، تستحق هذه المهنة أن تُقرأ من خلال أثرها الطويل؛ فالحصة تنتهي، ويغادر الطلاب مقاعدهم، لكن ما تعلموه عن أنفسهم وعن الحياة يرافقهم إلى مواقعهم المقبلة. هناك، حين يصبح أحدهم طبيبًا أو مهندسًا أو كاتبًا أو مواطنًا يؤدي واجبه بإتقان، يستمر درس المعلم في خدمة الوطن.