جمعية ترميم للتنمية بمكة المكرمة..

ترميم المكان لتنمية الإنسان.

ليس المَسْكَن جدرانًا تتكئ عليها الأسرة فحسب؛ ففي العمارة اليومية للإنسان تختبئ تفاصيل أكثر عمقًا: أمانه، خصوصيته، صحته، وقدرته على أن يعيش يومه من غير أن يتحول البيت إلى عبء إضافي. من هذه الزاوية تبدو تجربة جمعية ترميم للتنمية بمنطقة مكة المكرمة مختلفة في طبيعتها؛ فهي لا تتعامل مع المنزل باعتباره مادة إنشائية تحتاج إلى إصلاح، بل بوصفه أصلًا قائمًا يمكن إنقاذه وإعادة إدخاله في دورة الحياة الأسرية. وهذا التحول من إصلاح البناء إلى إعادة بناء شروط الاستقرار هو المفتاح الذي يمكن من خلاله قراءة تجربة الجمعية وشعارها: «ترميم المكان لتنمية الإنسان»، حيث تؤكد الجمعية عبر برامجها ومساراتها المنشورة أنها بنت عملها على التخصص في الترميم، إلى جانب مسارات للإسكان والتدريب المهني والحرفي والبحوث والدراسات وتأهيل المنظمات والمشروعات النوعية والإسناد الحكومي. المسكن بوابة التنمية منذ تأسيسها في عام 1443هـ؛ اختارت الجمعية العمل في مجال تخصصي يمس أحد أهم الاحتياجات الأساسية للإنسان، وهو المسكن الآمن والملائم. ففجوة الإسكان لا تقتصر على عدم توافر المسكن، بل تشمل أيضًا وجود أسر تمتلك مساكنها، لكنها تعيش في بيئات سكنية متضررة أو غير آمنة أو غير ملائمة لاحتياجات أفرادها. ومن هنا جاء دور الجمعية في المحافظة على المساكن القائمة وإعادة تأهيلها، بما يضمن استفادة الأسر منها بصورة آمنة ومستدامة. بهذه الرؤية، كما يوضح د. عبدالله بن علي آل دربه، الرئيس التنفيذي لجمعية ترميم للتنمية بمنطقة مكة المكرمة والعضو المنتدب لشركة وثر غير الربحية، في تصريحات حصرية لـ«اليمامة»، يصبح الترميم معالجة لفجوة قد لا تظهر في خرائط الإسكان التقليدية؛ إذ إن الأسرة قد تكون مالكة للمسكن، لكنها عاجزة عن جعله صالحًا للحياة. وهنا تتدخل الجمعية من خلال دراسة حالة الأسرة والتقييم الفني للمسكن، وتحديد الاحتياجات والأولويات، ثم تنفيذ الأعمال وفق معايير هندسية ومواصفات فنية واضحة، مع المتابعة الميدانية والتحقق من جودة التنفيذ قبل التسليم. ويضيف آل دربه: «وبهذا لا نتعامل مع الترميم بوصفه إصلاحًا مؤقتًا، وإنما باعتباره تدخلًا تنمويًا متكاملًا يحافظ على أصل سكني قائم، ويرفع كفاءته ويطيل عمره الافتراضي، بما يضمن استمراره في خدمة الأسرة لسنوات طويلة». ووفق نتائج الجمعية حتى نهاية الربع الأول من عام 2026م، امتد أثر مشروعاتها إلى 392 منزلًا، استفاد منها 1,918 مستفيدًا، بالتعاون مع 23 جمعية شريكة، وفي 14 مدينة ومحافظة. وهي أرقام لا تُقرأ باعتبارها حصيلة أعمال إنشائية فقط، بل بوصفها مؤشرًا على اتساع مفهوم الترميم حين يرتبط بالاستقرار الأسري والاجتماعي. من البيت للإنسان العبارة التي اختارتها الجمعية شعارًا لها تبدو للوهلة الأولى مختصرة، لكنها تحمل تصورًا كاملًا لطبيعة العمل: «ترميم المكان لتنمية الإنسان». فالبيت في الوعي الاجتماعي ليس وعاءً محايدًا؛ إنه المجال الذي تتقاطع فيه الصحة والتعليم والخصوصية والعلاقات الأسرية. وحين يختل هذا المجال، لا يبقى الخلل محصورًا في جدار أو تمديد كهربائي أو شبكة مياه، ويشرح د. عبدالله آل دربه مضيفًا: «تمثل فلسفة (ترميم المكان لتنمية الإنسان) جوهر عمل الجمعية، وليست مجرد شعار؛ لأننا نؤمن بأن الإنسان هو الغاية الأولى من كل مشروع ننفذه، وأن المنزل ليس جدرانًا وأسقفًا فحسب، بل مساحة للأمان والخصوصية والاستقرار والانتماء. ومن هنا تتسع عملية الترميم لتشمل الأعمال الإنشائية والكهربائية والسباكة والدهانات وتحسين المرافق وتهيئة المنزل بما يتناسب مع احتياجات أفراد الأسرة». والأهم أن الجمعية لا تفصل الجانب الفني عن الاجتماعي؛ هنا يشير آل دربه إلى أن العمل الميداني يصاحبه بناء شراكات مجتمعية وإشراك المتطوعين وأصحاب الخبرات والتخصصات وتعزيز المسؤولية الاجتماعية لدى القطاع الخاص. ثم يضع النقطة الأكثر دلالة في فلسفة الجمعية حين يقول إن «التدخلات الفنية تتجاوز الجدران إلى بناء برامج تمكين وتطوير وتأهيل وادماج لأفراد الأسرة القادرين في سوق العمل بما يحول هذه الأسر الأكثر احتياجاً من حالة الاحتياج إلى مسار التمكين الاقتصادي والإنتاج». هنا تحديدًا يغادر الترميم صورته التقليدية، ويصبح مدخلًا إلى تغيير أوسع في علاقة الأسرة بمواردها ومستقبلها. شراكات تصنع الأثر في نموذج كهذا، لا يمكن أن يعمل التخصص منفردًا. فالمنزل يحتاج إلى فني، والأسرة تحتاج إلى جهة تعرف احتياجها، والمشروع يحتاج إلى ممول، والتنفيذ يحتاج إلى إشراف، والأثر يحتاج إلى قياس. لذلك تبدو الشراكة في تجربة الجمعية جزءًا من بنية العمل، لا ملحقًا به. والموقع الرسمي للجمعية يعكس هذا الاتجاه من خلال تعدد مساراتها وبرامجها وشراكاتها، إلى جانب نشرها التقارير السنوية والربعية وأدلة الحوكمة. ويتصل هذا النموذج مباشرة بمستهدفات رؤية المملكة 2030، خصوصًا في تحسين جودة الحياة وتمكين القطاع غير الربحي وتعزيز المسؤولية الاجتماعية والعمل التطوعي والشراكات بين القطاعات. يقول آل دربه: «تكمن الإضافة التي تقدمها الجمعية في قدرتها على الجمع بين الاحتياج الاجتماعي والخبرة الفنية والتنفيذ الميداني؛ إذ تعمل حلقة وصل بين الأسر المستفيدة والجمعيات المحلية والجهات الداعمة والمقاولين والموردين والمتطوعين. وهي حلقة وصل ذات وظيفة عملية؛ لأنها تسمح بتوجيه الموارد وفق احتياج محدد، وتحد من ازدواجية الجهود، وتمنح العمل قابلية أكبر للقياس». ولا تتوقف فلسفة الاستدامة عند الشراكات التشغيلية؛ إذ يوضح آل دربه أن الجمعية أسست ثلاثة مسارات داعمة لتعظيم أثرها التنموي: «شركة وثر العمارة»، و«وقف غراس»، و«برنامج سيرج». ويرى أن هذه المسارات تمثل انتقالًا إلى نموذج أكثر تنوعًا في الموارد، يجمع بين الدعم المجتمعي والاستثمار والوقف. ويضيف أن «شركة وثر العمارة» جاءت بوصفها مسارًا استثماريًا داعمًا لرسالة الجمعية، فيما يمثل «وقف غراس» موردًا مستدامًا، ويأتي «برنامج سيرج» ضمن المسارات الداعمة لتعزيز الأثر واستدامته. ولا تبدو الحوكمة هنا منفصلة عن فكرة الاستدامة؛ فالجمعية حصلت في أغسطس الماضي على درجة 99.6% في تقييم الحوكمة الصادر عن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، ضمن فئة الجمعيات متناهية الكِبَر. وهذه المعلومة لا تحتاج إلى كثير من التجميل؛ فحين يتحول العمل الخيري إلى منظومة ذات موارد وشراكات ومشروعات قابلة للقياس، تصبح الحوكمة جزءًا من صيانة الأثر، مثلما يكون الأساس جزءًا من سلامة المبنى. أفق يتجاوز الترميم المسألة، في المرحلة المقبلة، ليست زيادة عدد المنازل بمعزل عن طريقة الوصول إليها. فالدكتور عبدالله آل دربه يحدد أولويات الجمعية في «التوسع المرحلي المنظم، وزيادة عدد المساكن التي يعاد تأهيلها والأسر المستفيدة، وتعزيز حضور الجمعية في المدن والمحافظات التي تشهد احتياجًا أكبر إلى مشروعات الترميم ضمن نطاق نشاطها الحالي في منطقة مكة المكرمة». ويقترن ذلك، بحسب حديثه، بتطوير معايير موحدة لأعمال الترميم، وتعزيز المتابعة الميدانية، والاستفادة من الحلول التقنية في إدارة المشروعات وتوثيق التنفيذ وقياس الأثر، إلى جانب توسيع التطوع المهني والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي. وفي الجانب الآخر من المعادلة، يظل بناء الشراكات مع القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية حاضرًا بقوة. ويرى آل دربه أن هذا النوع من الشراكات يمنح الجمعية قدرة أكبر على التخطيط، ويساعد على خفض تكاليف التنفيذ وتحسين كفاءة الإنفاق وتعظيم الأثر الاجتماعي. كما يحدد مجالات الدعم المطلوبة في التمويل المباشر لمشروعات الترميم، وتنمية المسارات الاستثمارية والوقفية، وتوفير مواد البناء والأجهزة والتجهيزات، والاستشارات الهندسية والفنية، والخدمات اللوجستية، والكوادر المهنية والتطوعية، إضافة إلى البرامج التقنية والتدريبية. لكن العبارة التي تختصر مستقبل التجربة ربما جاءت في خاتمة حديثه حين قال: «وطموحنا ألا يكون تسليم المنزل نهاية المشروع، بل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار للأسرة؛ ولذلك نسعى إلى بناء منظومة تجعل من كل مشروع ترميم استثمارًا طويل الأمد في الإنسان، وتسهم في تحويل البيوت إلى أوطان تنبض بالأمان والكرامة والاستقرار». من السهل أن يُقاس الترميم بما تغير على سطح المنزل: سقف أصلح، أو تمديد استُبدل، أو غرفة استعادت صلاحيتها. الأصعب هو قياس ما يحدث بعد ذلك، حين تصبح تلك الأعمال جزءًا من حياة أسرة لم تعد تنظر إلى بيتها باعتباره مشكلة مؤجلة. هنا تتضح خصوصية تجربة جمعية ترميم للتنمية؛ فهي تحاول أن تجعل من البناء نقطة انطلاق لا نقطة نهاية، ومن الترميم أداة تحفظ أصلًا سكنيًا وتفتح أمام الأسرة مساحة أوسع للاستقرار. فالمكان حين يستعيد عافيته، قد يمنح الإنسان فرصة لأن يفعل الشيء الأهم: أن يبدأ من جديد.