تجسد بعض الأطعمة والأكلات الشرقية أحد أبرز الموروثات الحضارية التي تشكل هوية الشعوب العربية، فبعضها وثيق الصلة بطقوس معينة زمانيا ومكانيا، فهي الهوية غير المكتوبة التي تميز مجتمعًا عن آخر. فالطعام ليس مجرد وسيلة لسد الجوع، بل هو مرآة تعكس تاريخ وثقافة أي مجتمع. ومن الألفاظ العربية الدَّالة على نوع من الأطعمة الشرقية (الكُبَّة) ــ بضم الكاف وفتح الباء المشددة ــ على زنة (فُعْلَة) والجمع : كُبَب، يرجع أصل اشتقاقه إلى مادة عربية محضة (ك ب ب)، وقد قرر ابن فارس (ت 395ه) أن هذه المادة وما اشتق منها قد وضعت في أصل اللغة للدلالة على الجَمْعِ، وهذا ما رَمَى إليه بقوله: “ الكافُ والباءُ أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على جَمعٍ وتجمع”. [مقاييس اللغة: 5/124] وبالرجوع إلى المظان اللغوية، والمعجمات التراثية؛ للكشف عن مدلول ومكونات تلك الأكلة عند علماء العربية، ظهر لي عدم ورودها في المعجمات القديمة كالعين، والجمهرة، والمحكم، ولسان العرب... وغيرها، ويُعد الزبيدي (ت1205ه) ــ فيما قرأت ــ أول من صرح بهذه اللفظة، وأثبتها بين طيات معجمه،ويبدو أنه قد اعتمد في ذلك على مصادره الخاصة، فلعلها من سماعه الخاص ممن عاصرهم أو خالطهم، مما يُرَجِّح أنها كانت مستعملة في زمنه، أو قبله بمدةٍ يسيره، وقد وصف هذا اللون من الطعام بعد عزوه ونسبته لأهل الشام بأنه يتكون من : لحم مفروم ودقيق الأرز يُعْجِن ويشكل كهيئة القرص الصغير، وهذا ما صرَّح به قائلا : “الكُبَّةُ.... وأَهلُ الشّام يطلقونها على: لحْمٍ يُرَضُّ، ويُخْلَطُ مَعَ دقِيقِ الأَرُزّ، ويُسَوَّى مِنْهُ كهَيْئَةِ الرُّغْفَانِ الصِّغَارِ ونحوِها.”.[ تاج العروس:4 /100] ومن يطالع المعجمات التراثية التى سبقت الزبيدى يظهر له أنه متفرد بهذه الدلالة، ومما يقوى هذا التصور أن الزبيدى قد عَدَّ هذه الدلالة من استدراكاته على الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط . وقد تناقل تلك الدلالة بشيء من الايجاز والتغيير غير واحد من اللغويين المحدثين مثل البستاني(ت1300هـ) في معجمه محيط المحيط ؛إذ قال : “ الكُبَّة عند المولَّدين طعام يُجْبَلُ من البُرْغَل واللحمِ المدقُوق” [ص 768] فالبستاني يقرر أن الكُبَّة بدلالتها على هذا اللون من الطعام من كلام المـُوَلَّدِين، وهذا دليل دامغ على أن هذا المعنى مُوَلَّد لا عهد للعرب الفصحاء به. ويشرح لنا دوزي (ت 1300 هـ) طريقة إعداد وإنضاج هذا النوع من الطعام ومكوناته، بأنها عبارة عن خليط من اللحم المفروم والكرفس والثوم والفستق والدقيق ثم تقلى بالدهن أو الزبدة أو تسلق بماء اللحم، واشارة بأنها تسمى في مصر بالكبيبة والحنطة تُرم وتهرس ثم تُقلى بالدهن أو الزبدة أو تسلق بماء اللحم ، مشيرا إلى استعمالها بالمدلول نفسه في اللهجة المصرية المعاصرة ويسميها البعض الكُبيبة أو الكبابة. [ تكملة المعاجم :9/18] وقد تابع الزبيدى ــ رحمه الله ـــ في عزو هذا اللون من الطعام للشاميين بعض اللغويين المحدثين أمثال: الشرتوني (ت1331هـ) في معجمه أقرب الموادر ،كما تابع البستاني في كونها دلالة مولَّدة الشيخ/ أحمد رضا (ت 1372هـ) ، وقد فسرها بقوله: “ طعام يُتَّخَذ من اللحم المضروب بالمدقة منعمًا دقه، ثم يُعْجَن بدقيق البر المسلوق، تؤكل ويتخذ منها أقراص تحشي باللحم والصنوبر ثم تقلي او تشوي “ [ متن اللغة :5/8] وبعبارة مقاربة يعرف د/ أحمد مختار عمر (ت 1424ه) الكُبَّة بأنها: “ لحمٌ يُدَقُّ ويُضاف إليه جريش القمح قبل أن ينضج ويُكبّب ويُطهى” [ معجم اللغة العربية المعاصرة : 1/1893]. ولعل الكُبَّة سميت بذلك كما يرى بعض اللغويين؛ لأنها تعملُ أقراصًا تشبه كُبَّة الغَزْل وهي: خشبة تُلَفُّ عليها ألوان الغَزْل ، أو لأنها تشبه ما يتردد من التراب الندي. ولا تزال هذه الأكلة معروفة ومشهورة في بعض لهجاتنا الحديثة، ولها صدى في بعض البلدان العربية مثل: سوريا، ولبنان، والعراق، ومصر...وغيرها. فهى من الألفاظ الحضارية التي استعملها القدامى، ولا زالت تستعمل في لغة التخاطب اليومي في عصرنا هذا. وبإنعام النظر في دلالة لفظ الكُبَّة على هذا اللون من الطعام يلاحظ اتفاقها والأصل الدلالي الذي ساقه ابن فارس (ت 395ه) لمادة ( ك ب ب)، وهو الجمع ، فيظهر لي أن ملمح الجمع متحقق في دلالة الكُبَّة على هذا اللون من الطعام المطبوخ؛ لأنه يجمع بين صنفين من الطعام هما أشهر مكوناته : لحمٌ يُدَقُّ ثم ُيضاف إليه جريش القمح ، ويُكبّب خليطهما كالكُرَات أو الأقراص ويحشي ثم يُطهى. *معيدة بكلية اللغة العربية وآدابها، جامعة أم القرى