قبل السادسة عشرة.

تتداول مجموعات الواتساب بين حين وآخر رسائل وعظية تحمل أخباراً ومعلومات تُبنى عليها مواعظ ونصائح، وبعضها ينطلق من حرص صادق وغاية نبيلة، لكن حسن المقصد لا يغني عن دقة المعلومة. ومن تلك الرسائل ما وصلني مؤخراً عن قرار بريطانيا منع من هم دون السادسة عشرة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أُرفق الخبر بأرقام ونسب ومعلومات أثارت فضولي، فبحثت عن أصل الخبر، فوجدت أن القرار صحيح في جوهره، لكن بعض ما أُلحق به من أرقام وعبارات لا يستند - بحسب ما اطلعت عليه - إلى المصادر الرسمية البريطانية. والحقيقة في ذاتها جديرة بالتأمل دون حاجة إلى المبالغة فيها، فقد أعلنت الحكومة البريطانية منع شركات التواصل الاجتماعي من تقديم خدماتها لمن هم دون السادسة عشرة، ضمن حزمة من الإجراءات الهادفة إلى حماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي، على أن تدخل القيود حيز التنفيذ، وفق الخطة المعلنة، في ربيع عام 2027. ولعل اللافت في هذا القرار أنه صدر في مجتمع متقدم تقنياً، يدرك أهمية الإنترنت ولا يفكر في عزل أطفاله عنه، لكنه بدأ يفرق بين الاستفادة من التقنية وبين ترك الطفل أمام عالم مفتوح لا تتناسب مخاطره دائماً مع عمره وقدرته على التمييز. وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نحرم أبناءنا من التقنية؟ فهذا لم يعد ممكناً ولا مطلوباً، وإنما السؤال الأهم: متى نمنح الطفل استقلاله في هذا العالم؟ ومن يرافقه قبل أن يصبح قادراً على حماية نفسه فيه؟ فالهاتف الذي نقدمه لأبنائنا لم يعد جهازاً للاتصال أو وسيلة للترفيه وإنما أصبح نافذة واسعة يدخل منها أشخاص وأفكار وسلوكيات ومؤثرون لا نعرفهم، وقد يقضي الطفل معهم من الوقت أكثر مما يقضيه مع والديه. ومن هنا يصبح الهاتف، من حيث لا نشعر، شريكاً في التربية، وربما تحول أحياناً إلى مربٍ خفي لا تعرف الأسرة ماذا يقول ولا ماذا يغرس. والمفارقة أننا اعتدنا أن نسأل أبناءنا: أين تذهبون؟ ومع من تجلسون؟ ومتى تعودون؟ لأننا نخشى عليهم من الخارج، لكننا قد نضع في أيديهم هاتفاً يدخلون من خلاله إلى عالم أشد اتساعاً، دون أن نسأل الأسئلة نفسها. ولا أرى أن المسؤولية في مواجهة ذلك تقع على الوالدين وحدهما؛ فالأسرة مهما حرصت لا تستطيع أن تراقب عالماً رقمياً يتغير كل ساعة، ولا أن تواجه بمفردها منصات صُممت بعض خصائصها لجذب المستخدم وإبقائه أطول وقت ممكن. ولذلك فإن المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجهات التنظيمية والمنصات التقنية نفسها. ولسنا بحاجة إلى استنساخ التجربة البريطانية بحذافيرها، فلكل مجتمع ظروفه وأنظمته، لكننا بحاجة إلى أن نقرأ الرسالة التي تحملها: حماية الطفل في العصر الرقمي لم تعد مجرد نصيحة أسرية، بل أصبحت قضية تستحق التنظيم والتوعية ووضع حدود تتناسب مع العمر. وإذا كانت دول صنعت كثيراً من هذه التقنيات بدأت تضع بينها وبين أطفالها حدوداً، فربما حان الوقت لنسأل أنفسنا: في أي سن نعطي أبناءنا مفاتيح هذا العالم، ومن يكون معهم حين ندخلهم إليه؟