المال والدار لهم.
هنا، في هذه البلاد — بلادنا — “ضمد” البسيطة بناسها وبيوتها ومحلاتها، والعريقة بتراثها وثقافتها وواديها المحبب؛ ذاك الذي يبدأ برديمة، وينتهي بـ«رديمتين» وشاعر. والذي، في رقته ومشهده، يشبه فعل نسائها الودودات حين يلتقين بطفل، فيغرقنه بالأحضان والقبلات التي لا تتوقف إلّا عند استنشاق عميق يمتص دم خدّه كاملًا: نعيش حياتنا كما تعيش “دببة الماء”. هكذا، بإيقاع بطيء نسبيًا؛ فنحن هنا لا نحظى بوسائل ترفيهية متنوعة وجذابة كما في المدن الكبرى، ولا بمطاعم راقية ذات طابع عصري جميل، ولا نتمتع بدور سينما مميزة نزجي بها الوقت، ونبدد فوق كراسيها شيئًا من الملل. لكننا وبشكل ما، نجد دائمًا طريقة للعيش. وليس هذا بسبب عبقريتنا أو شغفنا أو عشقنا المتناهي للحياة، ولا لطموحاتنا العصية دخل في ذلك، ولكن لأننا نستسيغ ذلك الشعور الجميل الذي نحسّه حين نفر هارعين إلى بيوتنا بعد قضاء يوم عصيب ومخيّب. فرؤية البيت بالنسبة لنا هي الوسيلة الوحيدة للمضي قدمًا. وهنا، أستعيد كلمة مدهشة ومضحكة في آن معًا، لأحد الأصدقاء الذي وصف هذه المشاعر بدقة، حين قال بسعادة، لحظة عودتنا من السفر، وتجاوزنا ذلك الدوار الشهير المؤدي إلى بلدتنا: يااااه.. إنني أشعر بأني كنت عاريًا طوال هذه المدة، والآن أرتدي. ما جعلني وقتها أتغنى بصوت عال بما صدق فيه الشاعر الكبير قاسم حداد حين كتب: «ما أن يدركني المساء بعيدًا عن البيت، حتى تنتابني حالة من الذعر الغامض. فأي مكان خارج البيت هو الغربة، وأحيانًا المنفى.» وتحديدًا كانت هذه هي الكلمات التي أعادت إليّ حزنًا عميقًا عشته ذات يوم، على أرملة عجوز، حين علمت بأنها لم تكن تملك من اتساع هذه الدنيا الكبيرة سوى ذلك القدر الصغير من الأمان. ورغم هذا كانت تقاتل وحيدة كي تسكن بيتها، وتعيش شيخوختها في سكينة وسلام. ولست هنا في محاولة ساحرة، لاستعادة ما قد يثلج صدرها، ويكفّ عنها دموعها الموجعة. ولكن ما كسرني حقًا، بعيدًا عن تلك التفاصيل المعقدة، أنه حتى وإن كان البيع والحق قد استقرّا، كما يقال، بساقين وثيقتين مع صاحبهما؛ ألم يكف أن تقول أرملة عجوز، تسكن البيت رفقة ابنتيها الشابتين: “أقلني بيعتي هذه”، لتهنأ بعد هذا العمر الطويل في بيتها، راضيةً مرضية؟ وفي وقت قد سعى فيه أحد أبنائها إلى الطرف الآخر، مرارًا وتكرارًا، عارضًا عليه ما عرض، ضامنًا له ألّا يلحقه من ذلك ضرر أو نقصان. غير أن ما زاد تساؤلي الإنساني هذا إلحاحًا، هو ما جاء في الحديث النبوي الكريم: «من أقال مسلمًا بيعته، أقاله الله عثرته يوم القيامة.» وتلك القصة المؤثرة والغنية بمروءة عبدالله بن عامر، حين سمع بكاءً كالعويل يأتي من بيت آل عقبة، بعدما اشترى دارهم الكبيرة، فسأل أهل بيته فزعًا: ما لهؤلاء القوم يبكون هكذا؟ فقيل: لخروجهم من دارهم التي اشتريتها يا مولانا. فأمر ابن عامر غلامه، قائلًا: اذهب إليهم وأخبرهم بأنّ الدار والمال لهم جميعًا. وتعمّدت هنا، وأنا أروي هذا الموقف النادر والنبيل لابن عامر، أن أقول “بيت آل عقبة” لأن عندنا نحن العرب، وحتى عند بعض العائلات الغربية الكبيرة، كثيرًا ما نستعير مفردة “البيت” للدلالة على أهله، فنقول: بيت آل فلان، إشارة إلى أسرته الكبيرة والمترابطة. وكأنّ في اللغة نفسها رمزًا عميقًا، يكشف عن مدى ارتباط الإنسان ببيته، والبيت بإنسانه. ولعلّ في ذلك أيضًا ما يدل على أنّ كل تلك القصائد والرؤى الوجدانية الجميلة، التي وضعت البيت في منزلة واحدة مع الوطن، لم تكن مجرّد مبالغات شعرية عابرة، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن أن البيت والوطن في داخلنا يتقاسمان الشعور اللذيذ نفسه. ولهذا نجدنا، منذ الصغر، إذا شعر أحدنا بتعب شديد وهو في الخارج، فإن أول ما يفعله، قبل البحث عن العلاج؛ هو البحث عن الطريق المؤدي إلى البيت. لأنّ العلاج دائمًا، وببساطة شديدة، هو البيت. والبيت هو العلاج.