المواهب الإبداعية ليست هبات عابرة تظهر بالمصادفة، ولا ومضات مؤقتة يصفق لها الناس ثم تخبو وتنطفئ، بل هي استعدادٌ فطري يولد مع الإنسان، يحتاج إلى عين تكتشفه، وبيئة تحتضنه، وفرص تمنحه حق النمو. وما أكثر المواهب التي ولدت كاملة الإمكانات، لكنها ذبلت لأنها لم تجد من يقرأ إشاراتها الأولى. ولعل أكثر الأخطاء شيوعاً هو اختزال الموهبة في التفوق الدراسي؛ فالتفوق يقيس قدرة الطالب على إتقان المعرفة الموجودة، أما الإبداع فيبدأ غالباً من الجرأة على إعادة النظر فيها. الطالب المتفوق قد يحفظ الإجابة الصحيحة، بينما الموهوب يسأل السؤال الذي لم يخطر لأحد، ويربط بين أفكار متباعدة، ويقترح حلولاً لمشكلات لم ينتبه إليها الآخرون. ولذلك فإن الإبداع ليس امتلاك الإجابة فقط، بل امتلاك القدرة على رؤية ما وراء السؤال. إن الموهبة لا تعلن عن نفسها بصوت مرتفع، بل تظهر غالباً في تفاصيل صغيرة يغفل عنها كثيرون؛ في فضول طفل لا يتوقف عن التساؤل، أو في خيال واسع يحول الأشياء البسيطة إلى عوالم كاملة، أو في شغف بالرسم أو الكتابة أو البرمجة أو الموسيقى أو العلوم، أو في قدرة استثنائية على تحليل المواقف، أو ابتكار الحلول، أو قيادة الآخرين. تلك العلامات ليست سلوكاً عابراً، بل إشارات مبكرة تستحق أن تقرأ بعناية. ولهذا فإن الأسرة هي الاكتشاف الأول للموهبة؛ فالأبوان هما الأقرب إلى ملاحظة اهتمامات الطفل، وطريقة تفكيره، وما يميزه عن أقرانه. لكن المشكلة تبدأ حين يحاول بعض الآباء تشكيل أبنائهم وفق أحلامهم الشخصية، لا وفق ما تكشفه مواهبهم الحقيقية؛ فكم من موهبة أدبية دفعت إلى تخصص لا تحبه، وكم من عقل علمي أجبر على طريق لا يشبهه، فقط لأن المجتمع رسم صورة جاهزة للنجاح! ولا تقل المدرسة أهمية عن الأسرة، فهي البيئة التي تتحول فيها الموهبة من مؤشر أولي إلى مشروع حقيقي؛ فالمعلم الملهم لا يكتفي بشرح المنهج، بل يوقظ الفضول، ويمنح الطالب مساحة للتجربة، ويشجعه على التفكير، ويجعل الخطأ جزءاً من عملية التعلم لا سبباً للعقاب. فالطفل الذي يخشى الخطأ لن يجرؤ على الإبداع، لأن كل فكرة جديدة تبدأ بمحاولة قد لا تنجح من المرة الأولى. إن الإبداع لا ينمو في بيئة تخاف الأسئلة، بل في بيئة تحتفي بها؛ فالسؤال ليس دليل جهل، بل بداية كل اكتشاف. وأعظم الاختراعات، وأهم النظريات، وأجمل الأعمال الفنية، بدأت بسؤال بسيط رفض أن يقبل الإجابة السهلة. لذلك فإن الطفل الذي يكثر من التساؤل لا يحتاج إلى إسكات صوته، بل إلى من يصغي إليه، ويوجه فضوله، ويمنحه الأدوات التي تساعده على تحويل أفكاره إلى إنجازات. كما أن الموهبة تحتاج إلى الحرية بقدر حاجتها إلى التوجيه؛ فالطفل الذي يسمح له بالتجربة، ويشجع على الاكتشاف، ويتعلم من أخطائه، يبني ثقةً بنفسه وقدرةً على الابتكار. أما الطفل الذي يربّى على الخوف من الفشل، فإنه غالباً يختار الطرق الآمنة، ويتجنب المغامرة الفكرية، ويخسر أهم ما يميز الموهبة: الجرأة على المحاولة. وقد أدركت المملكة العربية السعودية مبكراً أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن بناء اقتصاد المعرفة لا يتحقق إلا برعاية العقول المبدعة منذ سنواتها الأولى. ولذلك شهدت السنوات الماضية تطوراً كبيراً في برامج اكتشاف الموهوبين ورعايتهم، وإنشاء البيئات التعليمية التي تتيح لهم التعلم بطرق مختلفة، والمشاركة في المبادرات والمسابقات والبرامج النوعية التي توسع آفاقهم، وتفتح أمامهم أبواباً جديدة للإبداع والابتكار، انسجاماً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي جعلت تنمية القدرات البشرية أحد أهم مرتكزات التنمية الوطنية. ولعل البرامج النوعية التي تجمع الموهوبين من مختلف المناطق والتخصصات تمثل نقطة تحول في حياة كثير من الشباب؛ فهي لا تمنحهم المعرفة فحسب، بل تمنحهم الثقة، وتضعهم في بيئة تشبه طموحاتهم، وتفتح أمامهم آفاقاً أوسع للتفكير والعمل والتنافس. وعندما يلتقي الموهوبون بعضهم ببعض، تتحول الأفكار الفردية إلى مشاريع، ويتحول الفضول إلى شغف، والشغف إلى إنجاز. ولم تكن هذه الرؤية بالنسبة إليّ مجرد فكرة أكتب عنها، بل تجربة عشتها بكل تفاصيلها؛ فقد بدأت رحلة ابنتي منذ سنواتها الدراسية الأولى، عندما ظهرت عليها مؤشرات واضحة للتميز والفضول العلمي وحب التعلم. ومع التحاقها بمدارس الموهوبات في جدة، وجدت البيئة التي احتضنت قدراتها، ومنحتها الفرصة لتتطور بثقة وثبات. ثم جاءت مشاركتها في برامج مؤسسة “مسك” لتفتح أمامها آفاقاً جديدة، وتمنحها خبرات نوعية أسهمت في صقل شخصيتها، وتعزيز مهاراتها، وبناء طموحها. ولم تتوقف الرحلة عند هذا الحد، بل امتدت إلى المشاركة في برامج تبادل للخريجين على مستوى عالمي، شملت تجربة أكاديمية في جامعة هارفارد، لتتوالى بعدها فرص القبول والتنافس من جامعات مرموقة. واليوم، وهي تمارس مهنتها طبيبةً تخدم وطنها، أوقن أن كل خطوة في تلك الرحلة كانت تؤكد حقيقة واحدة: أن اكتشاف الموهبة في وقت مبكر، ثم رعايتها بصورة صحيحة، قادرٌ على تغيير مستقبل الإنسان، وأن الاستثمار في موهبة طفل واحد قد يعود بالنفع على مجتمع بأكمله. ولذلك فإن رعاية الموهبة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية تبدأ من الأسرة، وتتسع في المدرسة، وتتكامل مع مؤسسات المجتمع، حتى تصل إلى السياسات الوطنية التي تؤمن بأن الإنسان هو الثروة الأغلى. فكل موهبة تكتشف مبكراً هي مشروع نجاح، وكل عقل يجد من يؤمن به يصبح قادراً على صناعة فرقٍ حقيقي في مجاله. إن الأمم لا تقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية، بل بما تملكه من عقول قادرة على الابتكار؛ فالمعرفة يمكن تعلمها، أما الإبداع فهو القدرة على إعادة تشكيل المعرفة وصناعة الجديد منها. ومن هنا فإن بناء المستقبل لا يعتمد على البحث عن الأذكياء فحسب، بل على اكتشاف المبدعين، لأنهم القادرون على تحويل الفكرة إلى إنجاز، والمعرفة إلى حضارة، والحلم إلى واقع. وأعظم خسارة قد يتعرض لها أي مجتمع ليست أن يولد فيه أطفال بلا مواهب، وإنما أن يولد فيه مبدعون لا يجدون من يكتشفهم، أو يؤمن بقدراتهم، أو يمنحهم الفرصة ليضيئوا الطريق لأنفسهم ولغيرهم. فكل موهبة ترعى هي بذرة لمستقبل أفضل، وكل طفل يجد من يحتضن شغفه قد يصبح يوماً عالماً، أو طبيباً، أو مخترعاً، أو أديباً، أو قائداً يسهم في صناعة نهضة وطنه. ولذلك فإن اكتشاف الموهبة ليس ترفاً تربوياً، بل مسؤولية حضارية، تبدأ بسؤال صغير يطرحه طفل، وقد تنتهي بإنجاز كبير يغير وجه المستقبل.