الرواية... وظائفها الإنسانية والمعرفية.
من نافل القول إنّ الرواية خزانةٌ للحكايات تحفظ المزايا الأنثروبولوجية والاجتماعية لكل جغرافيا بشرية، وتتيح الإطلالة على العادات والتقاليد وأنماط العيش والملابس وفنون الطبخ وتفاصيل الحب والزواج والصداقة والسفر. ويشير المؤلف إلى أنّ معظم الناس ينسون معارفهم المدرسية بينما تبقى الأعمال الروائية راسخةً في الذاكرة؛ ولعل السبب يعود إلى تلك النشوة والتجربة الوجدانية في كبرى الأعمال الروائية العظيمة أمثال أعمال توماس مان، وتولستوي، وجوستاف فلوبير، وسارتر، ودوستويفسكي وغيرهم، لذا يمكن النظر إلى الرواية بوصفها سجلاً حضارياً للإنسان، وتتجلى هذه الوظيفة بوضوح في “الحرب والسلم” و”مئة عام من العزلة” حيث تتحول الذاكرة الجماعية إلى عالمٍ سرديٍّ كامل. فضلاً عمّا توفره من فضاءٍ ميتافيزيقيٍّ يتيح للإنسان فك الارتباط المؤقت مع الواقع الصلب والإبحار في عوالم متخيلة تشبه حلم يقظةٍ ممتداً، وهي تجربةٌ يشترك فيها الكاتب والقارئ معاً. ويؤكد النص أنّ الأسطورة والسحر البدائي لعبا دوراً في تدعيم البنية السيكولوجية للإنسان الأول، والرواية الحديثة تواصل الوظيفة نفسها ولكن بأدواتٍ جمالية وفكرية أكثر تعقيداً. ولهذا تبدو رواياتٌ مثل: “الجبل السحري” و”الخيميائي” امتداداً معاصراً للرحلة الرمزية القديمة نحو الخلاص والمعنى. الكتابة الروائية الإبداعية عملٌ تخييليّ يبدأ بالمخيلة ويتطور داخل فضائها، ولا شكّ في أنّ الخيال يمثل المجال الحيوي الذي تتشكل داخله العناصر الروائية. لذلك نجد النصوص القائمة على الخوارزميات والنظم الرقمية الصارمة حين نقرؤها منزوعةً من حيويتها وإبداعها بالحس الإنساني؛ فمشكلة الخوارزميات أنّها أصبحت تهديداً للنزعة التخيلية التي تقود إلى تبلد الحواس وخفوت الإحساس بالمغامرة الذهنية والواقعية. وهنا تؤدي الرواية دور “الترياق المضاد” الذي يعيد للخيال اندفاعته البدائية ويقاوم الرتابة التي تصنعها الحياة الرقمية. ولهذا جاءت أعمالٌ -على سبيل المثال- مثل: “1984” و”عالم جديد شجاع” بوصفها دفاعاً عن حرية المخيلة في مواجهة عالم التنميط والتشيؤ. يغالي البعض في وصف الرواية بأنّها استهلاكٌ فارغٌ من الهدف الحقيقي في تثوير ثقافة الإنسان، وهو بذلك يتجاهل دور الرواية بوصفها لعبةً ذهنية ترتقي بالفعاليات العقلية وتنعش الحيوية الفكرية والعبقرية الإنسانية. نعم، لا شكّ أنّ الغث أكثر من السمين في المجال الروائي، لاسيّما بعد الابتلاءات الاصطناعية التي خلقت أعمالاً شاحبةً ونصوصاً مفرغةً من المعنى والمبنى الجمالي. لذا فإنّ الرواية مختبرٌ ذهنيّ يتيح القدرة على التأويل والتركيب وإدارة الاحتمالات؛ ولهذا بدت أعمالٌ مثل: “اسم الوردة” و”لعبة الحجلة” أقرب إلى متاهاتٍ فكرية تتحدى القارئ وتستفز ذكاءه. ولا أجانب الصواب عندما أصف الكتابة الروائية في ممارستها بأنّ لها أثراً علاجياً يفوق أحياناً أثر العقاقير النفسية! إضافةً إلى الكشوف العرفانية والتجارب الصوفية لدى بعض الكتّاب الكبار مثل هرمان هسه ونيكوس كازانتزاكي في أعمالهم العظيمة. وفي إحدى الإشارات الرائعة حول الكتابة الروائية ودور الرواية في حياة الإنسان، تكتب لطفية الدليمي عدة نقاطٍ مثيرةٍ حول ذلك بقولها: إنّ الرواية الرصينة أشبه ما تكون بآلة “إنيغما” التي كانت تفك شفرات الحرب العالمية الثانية، معتبرةً أنّ الرواية الحديثة باتت تفك شفرات الحاضر والمستقبل معاً. فالروائي المتمكن يمتلك بصيرةً موسوعية تجعله يرى تضاريس المستقبل النفسية والاجتماعية بينما يبدو الآخرون غارقين في تفاصيل الحاضر. ويذهب النص إلى أنّ الرواية الجيدة قد تعدّ فرعاً من علم المستقبليات بسبب قدرتها على استشراف التحولات المقبلة. لذلك بدت رواياتٌ مثل: “نحن” و”فهرنهايت 451” وكأنّها تقارير مبكرة عن أزمنةٍ لم تكن قد وصلت بعد. تتبع المؤلفة تحولات الرواية من أداةٍ خدمت الوعي القومي في عصر “الدولة - الأمة” إلى وسيطٍ ثقافي عابرٍ للحدود يعمل على عولمة الأفكار والثقافات. وترى أنّ الاشتغال الروائي، قراءةً وكتابةً وترجمةً، يدفع صاحبه بالضرورة نحو تعلم اللغات والانفتاح على آداب العالم المختلفة. ولهذا ارتبط كثيرٌ من كبار الروائيين العالميين بالترجمة والعمل بين اللغات والثقافات. وتكشف أعمالٌ مثل: “عداء الطائرة الورقية” و”الأشياء تتداعى” كيف تحولت الرواية إلى مساحة لقاءٍ إنساني تتجاوز الحدود القومية الضيقة. كما تؤكد أنّ الرواية الرصينة ليست مجرد تسلية، بل هي مشروع استقصاءٍ معرفيٍّ طويلٍ يحتاج إلى شهور وربما سنواتٍ من البحث والتدقيق في الجزئيات الصغيرة. فالكاتب يستعين بمخزون خبراته وقراءاته ومشاهداته ليضخ المادة الخام التي ستتكون منها لعبته الروائية الذهنية، حتى في الروايات الميتافيزيقية أو الفلسفية. ولهذا تبدو الكتابة الروائية أقرب إلى عمل المؤرخ أو الباحث الاجتماعي الذي يعيد تركيب العالم عبر التفاصيل الدقيقة. وتتجلى هذه النزعة المعرفية في “البؤساء” و”مدن الملح”. تتحدث المؤلفة أيضاً عن خطر تحوّل الإنسان المعاصر إلى كائنٍ آلي تحكمه الرتابة والخبرات الجاهزة، حتى أطلق بعض المفكرين عليه صفة المنوّمين. وترى أنّ الرواية تستطيع عبر ما تسميه بعض النظريات بالعصف العقلي، إيقاظ القارئ من حالته الروبوتية ومنحه قدرةً على تحسس عوالم جديدة وغير مألوفة. ويستشهد النص بعبارة أرنستو ساباتو الشهيرة عن أنّ مهمة الأدب العظيم هي إيقاظ الإنسان السائر نحو المقصلة. ولهذا جاءت أعمالٌ مثل: “المسخ” و”الغريب” كصرخاتٍ ضد الاغتراب والبلادة الوجودية الحديثة. كما ترى أنّ النص الروائي أصبح أداةً فعالةً لإعادة التوازن بين المعرفة الرقمية السريعة والمعرفة التحليلية العميقة، خصوصاً لدى الأجيال المفتونة بالعالم الافتراضي. فالروائي المتمكن يستطيع، عبر لغةٍ سلسةٍ وناعمة، أن يمرر الأفكار المعقدة دون أن يفقدها عمقها الفلسفي والإنساني. ولهذا تغدو الرواية وسيطاً معرفياً يجمع بين المتعة والتفكير، ويعيد تشغيل الطاقات الخلاقة للعقل البشري. وتكشف أعمالٌ مثل: “اسم الوردة” و”زوربا اليوناني” هذه القدرة على مزج الفكر بالحياة داخل بناءٍ جماليٍّ حي. وتشدد في نقطةٍ حول دور الرواية ووظيفتها المجتمعية عبر إشاعة قيم التعددية الثقافية والانفتاح على الآخر، خاصةً في المجتمعات الخارجة من الدكتاتوريات والانقسامات الحادة. فالرواية تمنح الأقليات والمهاجرين والهويات المهمشة حضوراً إنسانياً يخفف نزعات الاستحواذ والتعصب والإقصاء. كما يرى النص أنّ هذا الدور يجر وراءه اشتغالاتٍ معرفيةً واسعةً تتعلق بتاريخ الأقليات ولغاتها وأنثروبولوجيتها. ولهذا أصبحت أعمالٌ مثل: “موسم الهجرة إلى الشمال” و”محبوبة” نماذج للرواية التي تبني الجسور بين الثقافات. وتختم حديثها الفائق الإبداع بقولها إنّ الرواية تحمل دائماً، بصورةٍ مباشرةٍ أو خفية، رؤيةً خلاصيةً للوجود الإنساني، حتى عندما تبدو غارقةً في العبث أو المأساة. فهي تتناول الموت والحب والحرب والفقد واللامساواة بوصفها أسئلةً تبحث عن معنى أو عزاءٍ رمزي. ويرى النص أنّ الرواية تقدم شكلاً من الخلاص الأرضي الموازي للوعد الخلاصي الذي تبشر به النظم اللاهوتية. وتتجسد هذه الرؤية في “الطاعون” و”الأبله” حيث يتحول الألم الإنساني إلى بحثٍ عن معنى أخلاقي وروحي يتجاوز الخراب الظاهر.