مهمة... أخرى
تشغلني دوماً علاقة مبدع بآخر، لا أقصد العلاقات الشخصية: معرفة، صداقة، اتصال، على جمال ذلك. لكني أقصد العلاقة الفكرية العميقة التي تقود إلى إبداع مغاير. علاقة ريموند كارفر – أنطون تشيخوف أنموذجاً. ولد أنطون تشيخوف عام 1860م في تاغانروغ جنوب روسيا، وتوفي عام 1904م عن أربعة وأربعين عاماً في بادنفايلر بألمانيا، بسبب مرض السل الذي عانى منه كثيراً. تزوج الممثلة الروسية أولغا كنيبر عام 1901م، وكانت إلى جواره في ساعاته الأخيرة، وبعد وفاته نُقل جثمانه إلى موسكو حيث دُفن. فيما ولد ريموند كارفر في مدينة كالاتسكاني بولاية أوريغون في أمريكا عام 1938م، وتوفي في بورت أنجلِس بولاية واشنطن عام 1988م عن خمسين عاماً، بعد معاناة مع سرطان الرئة. وكانت زوجته الشاعرة تيس غالاغر، التي تزوجها قبل ستة أسابيع من وفاته، رفيقته في سنواته الأخيرة. في قصته القصيرة «مهمة» يتخيل كارفر الأيام الأخيرة من حياة تشيخوف: مرضه الذي قاده إلى بادنفايلر، الفندق الذي أقام فيه، زوجته أولغا إلى جواره، والطبيب الذي أدرك أن النهاية اقتربت. يستعيد كارفر الساعات الأخيرة بتفاصيلها الصغيرة، حتى مشهد طلب تشيخوف كأساً من الشمبانيا، ثم موته الهادئ، ونقل جثمانه في رحلة طويلة إلى موسكو. لكنه لا يكتب سيرة تشيخوف، بل يدخل إلى تلك اللحظة الحميمة من حياته، ويجعل من نفسه قارئاً عاش حياة رجل آخر بعد موته بعقود، ثم أعاد تخيلها بالكلمات. أن تعيش في حياة إنسان آخر، تقرؤه، تفكر به، تحس أفراحه وآلامه حد انشغالك الدقيق بكل كلمة أو فعل صدر عنه، ثم محاولة فهم أصدقائه، زوجته، أهله، مقهاه المفضل، الفندق الذي مات فيه، مرضه، طبيبه، كلماته الأخيرة ثم رحيله قبل ولادتك بعقود، الشاحنة التي نقلت جثمانه إلى مدينته. وشعورك مع ذلك بالمناخ العام كله، ثم كتابته عبر إبداع مشترك بينك وبينه ضمن قصة قصيرة. لذا أحببت قصة «مهمة»، التي كتبها كارفر عام 1987م، في مرحلة متأخرة من حياته، ونُشرت في مجلة «The New Yorker» في الأول من يونيو من ذلك العام، وكانت آخر قصصه. واللافت أن كارفر، في العام نفسه الذي كتب فيه عن موت تشيخوف، بدأ يعاني أعراض مرضه الخطير؛ وبعد أشهر شُخّص بسرطان الرئة. لكنه عاش بعد ذلك عاماً واحداً تقريباً، وتوفي في أغسطس 1988م. ولا أريد أن أذهب بهذه المصادفة إلى أكثر مما تحتمل، لكنني لا أستطيع تجاهلها وأنا أقرأ «مهمة» اليوم. عشت مع القصة تفاصيل رحيل أنطون تشيخوف بقلم ريموند كارفر، ضمن فن أحبه الاثنان، عشته معهما لكن بلا قصة قصيرة تجمعني بهما. وحين فكرت في ترجمتها إلى العربية، علمت أن زميلاً آخر سبقني إلى «مهمة»، ولقد أحزنني ذلك. ربما لأنني لم أكن أريد أن أترجم القصة وحسب، بل كنت أريد أن أعيشها مرة أخرى، وأن أقترب من تشيخوف كما اقترب منه كارفر، وأن تكون لي، أنا أيضاً، «مهمة أخرى معه». للاطلاع النص الأصلي: Raymond Carver, Errand, The New Yorker, June 1, 1987. القصة في The New Yorker الترجمة العربية: ريموند كارفر، «مهمة»، ترجمة أحمد شافعي. الترجمة العربية لأحمد شافعي