حيدر آغا بين الديوان وفلسفة الشعر المغنَّى.

صَدَرَ مؤخرًا كتابُ الدكتور إبراهيم أبو طالب “ديوان حيدر آغا” أحد أمراء الغناء الصنعاني اليمني، وقد أجاد الباحث القدير في إظهار الديوان بحلّةٍ تحترم الذاكرة السمعية التي اعتادت الأذن على سماع شعر الشاعر حيدر آغا وقصائده المغنّاة عبر أزمنة ممتدة في تاريخ الغناء الصنعاني. وتوغَّل الدكتور أبو طالب في جهد مؤسَّسي جَمَعَ فيهِ متفرقات شعرِ الشاعر عبر كتبٍ قديمة وحديثة، بين مطبوعٍ ومخطوطٍ، وأبحرَ في عالمٍ يمتد إلى أربعمئة عام تقريبًا، حين تتبع وفاة الشاعر حيدر آغا في عام 1070هـ، وحياته، ومجايليه من الشعراء، والمؤرخين الذين رصدوا شيئًا يسيرًا من ديوان الشاعر، وأظهر الدكتور أبو طالب الديوان الشعري في مظهر علمي يستحق الفخر به من حيث التحقيق والدراسة، ويكشف هذا الديوان عن عملٍ يليقُ بباحثٍ عاشقٍ للمعرفة والشعر والأغنية التراثية، ويكشفُ عن زمنِ الشاعر الذي قدّمَ للمتلقين من بعده أغانيَ خالدةً في ذاكرةِ الشعر الحميني والحِكَمي اليمني بين قصائد ومقطعات شعرية، وشاركَ الذائقة العربية بإلقاء الضوء على قصائد مغنّاة نعرف اسم كاتبها، ولكنَّا لا نعرف من هو؟ ولِي وقفات مع ديوان الشاعر حيدر آغا، ولعل أولها ما ذكره الباحث القدير الدكتور إبراهيم أبو طالب من معلومات مهمة عن الشاعر وأصله التركي وعصره الذي عاش فيه وما يحمله من ثقافة شعبية وخصائص اختصَّ بها الشعر الحميني في زمنه من حيث اللغة ونطق الكلمات وعلامات الترقيم واللجوء إلى العامية، وهنا أعتقدُ أنَّ هذا الأسلوب مقبول في الشعر الحميني وأنَّ أصوله- من حيث اللجوء إلى العامية- ممتدة في شعر الموشحات، ولعل التغنّي بها وانتشارها لدى العامة وسهولة الألفاظ وطبيعة الروح الغنائية في الموشحات والأزجال والشعر الحميني، كل هذه الركائز تعدُّ من باب التحوِّل في فلسفة الشعر المغنّى من النخبوية إلى الشعبية، ومن أراد اللجوء إلى هذه الفلسفة والانتشار فعليه أن يكونَ قريبًا إلى ذائقة الناس وأن يكون محقّقًا لأسس الانتشار في شعره. أما الوقفة الثانية فهي اجتهاد الباحث في متابعة الاختيارات اللغوية التي يلجأ إليه المتلقّون في كتابة شعر حيدر آغا عبر أزمنة متعددة في التلقي، وهو الشاعر والناقد الذي يرجِّح اللفظ الصحيح، وهنا يفتح باب التلقي للباحثين من بعده في متابعة جمالية الاختيار والبحث عن تعدد التلقي لدى المغنِّين لقصيدة الشاعر حيدر آغا، بمعنى لو أخذنا مثالًا واضحًا في هذه الوقفة؛ لوجدنا أن قصيدة: “رسولي قوم بلغ لي إشارة...”؛ لرأينا أنًّ الموسيقار علي الآنسي له اختيار في الكلمات والأبيات المختارة، ثم له أسلوبه في الأداء الفني المميز في تمثّل لحن الشعر الحميني، وأن الفنان فيصل علوي له اختياره في كلمات الشاعر حين أثبت بعض الأبيات التي لم يطرقها سواه، وذِكره لبيت من القصيدة: “ولا زادْ جَا كِتاب مَغْري إليَّا ** ولا حتى رسول يِهْدي تحية”. واستبدل الفنان علوي “مَغْري إليّا” بقوله: يرسل إليّا..، ومع أنَّ الباحث في الديوان أوضح عبارة: “مَغْري إليّا” بالكتاب المختوم بالغراء، وليقسْ الباحثون لمن أراد تتبع هذه القصيدة وتلقيها لدى المغنين الآخرين؛ ليخرج بجماليات فنية وجمالية في تلقي الشعر المغنَّى لدى أبو بكر سالم بلفقيه، ومحمد عبده، وفيصل علوي، وآخرين. والوقفة الثالثة تختص بفلسفة الشعر الغنائي في ديوان حيدر آغا وانتشار أغانيه المهمة، وهي: “مَن يبلّغ غزال رامة، ورسولي قوم بلّغ لي إشارة، وبلّغ الأحباب عنّا يا نسيم” لو تأمَّل المتلقي هذه الأشعار لأدرك أنها تقوم على فكرة (التبليغ) التي أرادها الشاعر في بناء خطابها الشعري، وحاجته إلى (طرف وسيط) يقوم بإيصال مضمون الرسالة من القصيدة، وهي لم تأتِ عبثًا في خطابه الشعري؛ بل هي لازمة في رؤيته الشعرية التي يحفظ بها مكانة الحبيب ومكانة المحبوب، بل ومكانة الأطراف المتمثلة في الشعر الغنائي.