أصولنا الأخلاقية والترويج للفن المعاصر.

ارتبطت الفنون الأولى عبر عصور قديمة بموضوعات تختص بالجمال والتعبير الإنساني، وتوثيق سير البطولة والصراعات؛ وتحقق ذلك في شواهد وآثار الفن الرافديني، وفنون مصر القديمة، والهند، والصين، ودول الشرق القديم. ومع كل تلك الحقب السالفة، كان الفن مبعث تنوير؛ لما تتحلى به مضامينه من أهمية ومثل إنسانية خالدة. وبات اهتمام الفلاسفة به جزءًا فاعلاً من نشاطهم الفكري، فقد وصفه أرسطو بقوله: (إن الفن محاكاة الطبيعة)، وشاعت على ألسنة الكثيرين مقولة سقراط: (إن خداع الفن لا ينطلي إلا على من لم يكن على بينة من حقيقته؛ لأنه خيال)، وهو حسب مقولات الفلاسفة ومنظري الفن الحديث أداةٌ للتعليم وتهذيب النفس، ومصدرٌ للجمال والتعبير عن الحقيقة. وفي مراحل تاريخية معاصرة قدر لفنانين واكبوا متغيرات الحياة الاجتماعية وتقلبات الصراعات السياسية التأكيد على روح الهوية المحلية، والعودة إلى التراث في الفن كجزء أساسيٍّ من مشروعهم الفني والثقافي. وفي بدايات القرن العشرين وما تلته من سنوات العقد الستيني، أخذ نفرٌ من مجددي خطابات الحداثة ومقولاتها التنويرية على عاتقهم الاهتمام بقضايا الفن وتوظيفها ضمن حدود البعد الاجتماعي والثقافي، انسجامًا مع روابط الهوية الوطنية. وكان خيال الفنان المعاصر يربط بين قيم تلك الثقافة والهوية والتراث الإسلامي دون الأخذ بوصايا خطابات الفن الغريبة والداعية إلى الريبة والاختلاف. وكانت غالبية الحقائق والقضايا المطروحة في الفن العربي تلامس الواقع اليومي دون أن تتحرك تحت وصايا التبعية الإجبارية. ولم يكن بوسع الجيل الفني منذ نكبة حزيران حتى ثمانينيات القرن المنصرم أن ينساق إلى الدخول في لعبة الفن وعبثياته، أو أن يحاول الفنانون أن يقتلعوا جذور هويتهم ليرتموا في ظل ساحة مكشوفة تقف وراءها مؤسسات مشبوهة، الغاية منها تدمير الفن وإخضاعه لأنماطٍ ممسوخة غايتها التدمير المتعمد للذائقة وتشويه الحقائق. فما الذي حدث مع الفن؟ وأية جهات وراء كل هذا الابتذال؟ وكيف نعالج ما امتهنته بعض الفنون من تدمير ذاتي شوه لنا ذائقتنا؟ الفن بين الغش والاستثمار عندما نتوقف عند كلمة (فن)، فإن خيالنا يذهب باتجاه الجمال والآثار وتنوع الأشكال المرسومة التي تعكسها هذه المفردة، ولكن عندما نربط كلمة (الفن) بالبورصة والاستثمار واحتكار أعمال هذا الفنان دون غيره ستصيبنا الدهشة والذهول، ونتساءل: ما المشتركات الجامعة لكل هذه المفردات مع موضوعات الفن وتسويق الأعمال الفنية؟ وكيف نفسر شيوع هذه الظاهرة؟ وما علاقة مصالح دول معينة بمزادات فنية معروفة وبعض الغاليريات التي تعمل على عرض لوحات مختلفة وغريبة الأطوار بأسعار مبالغ فيها بكل هذا الخراب؟ ولماذا بدت قضية (مضمون العمل الفني) أكثر غموضًا، بحيث نقف أمام رسومات لم نفهمها، ولا نجد في أشكالها وتكويناتها وأساليبها ما ينمي في داخلنا وعيًا جماليًّا، أو ينعكس مباشرة على شعورنا في تعبير يحاكي الواقع والمجتمع والإنسان؟ باعتبار أن الفنون الإنسانية منذ تواجدها القديم حتى اليوم تعد من أشكال كياننا الاجتماعي والثقافي. فمن حقنا كمتلقين للفن التأكيد بأن الفوضى في تكرار الأعمال الفنية توّجها الابتذال وأصبحت واقعًا مرفوضًا. ويضاف إلى كل ذلك دور الناقد الفاقد لقيمه الأخلاقية حينما يربت على كتف الفنان المقلد والسارق لأفكار غيره، بعد أن مهدت مواقع التواصل الاجتماعي له الطريق في كل هذه الفوضى الأخلاقية. ثم جاءت العلاقات التجارية بين الفنان والغاليريات وبعض المؤسسات لتترك جرحًا أكبر أمامنا في إعلاء شأنهم، بينما الحقيقة تكمن في الترويج للفن الغريب عن الذائقة، فاتحة الأبواب أمام سماسرة البورصة والاقتصاد وغسل الأموال للهتاف المتواصل عبر المشاركات وإقامة معارض داخل أوروبا وخارجها لتخلق وهمًا تدعمه شتى وسائل الإعلام، ولتتحول الأكاذيب والسرقات وتأثير الوعي الزائف إلى أسلوب يقتفي أثر الأعمال ويروّج لها لتصبح أكثر حضورًا. فمن يقوم بهذا الدور؟ وما علاقة الفن بالمال؟ وعلى من تقع مسؤولية تزوير الرسم؟ كما يحدث مع لوحات الرواد والجيل الستيني في العراق وبعض الدول العربية، ومن سمح لأشخاص لا علاقة لهم بالثقافة الفنية أن يفتتحوا غاليريات تعرض عشرات اللوحات وبأسعار لا تصدق؟ هذا يأخذنا إلى مقولة جي دورمان الصريحة: (بأننا أمام مؤامرة حقيقية تقوم بنشر وفرض مصطلحات تشكيلية لا تمثل الوصول إلى قيمة ما، إنما هي مجرد تقهقر إلى أدنى حدود البدائية في مجال الإبداع الجمالي). نظرة على الحقائق بدأت المتغيرات الحقيقية الأولى مع نشوء مصطلحات تنتشر فيما يخص التلقي وتغيير المضامين، وجرى التشويه الحقيقي للذائقة، وبدا لنا أن ارتباط الفن الحديث بالسياسة كان النواة في هذه اللعبة الغريبة، فلم يكن الهدف التغيير بل التشويه. وانطلقت الفكرة من الترويج للفن التجريدي في بدايات القرن العشرين، ومن ثم جاء دور فن التجهيز ومذهب “الفورتيسزم”، وكان الأكثر وقعًا ذلك التعبير المخيف الذي أُطلق عام 1917 حينما تم الإعلان عنه تحت مسمى (موت الفن). وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى انهار الفن التقليدي، وبدأت القيم الاجتماعية والثقافية تنصاع لأفكار غريبة تحت مقولات الحداثة وتخطي جدليتها، وانتشرت ظواهر لم يكن بالحسبان فهمها في ذلك الوقت، وهو تجمع العديد من الفنانين ضمن (هيئات دولية)، وبيعت عشرات الأعمال التجريدية بأسعار خيالية. فأية أفكار سياسية تنظّر للفن وتفقده بريقه بعد أن اطلع الكثيرون على مشاريع مخيفة كالذي حدث مع قسم كبير من البنوك العالمية يوم أنشأت صناديق للاستثمار في هذا الجانب؟ ومع كل ذلك نتساءل: ما علاقة كل ذلك بصفائح القمامة التي دخلت سوق الفن تحت عناوين الفن الحديث؟ وكيف تتقبل ذائقتنا عملاً مثل (مبولة مارسيل دوشامب) والتي يعدها نقادٌ كثرٌ بأنها ذروة فن القرن العشرين؟ نعم، بدأت هذه الأفكار المشوهة تظهر منذ أن شرع الفنان (فونتانا) بتمزيق لوحة بيضاء بضربات السكين، وروّج لمثل هذا الفعل الغريب ما يكفي من الدعاية، حتى إن أحد النقاد وهو فرانسوا بلوشار وصف عمله بأنه: (ينقل الإحساس الفوري، وهو أكمل تعبير عن الصرخة). كل هذه التصرفات كانت الضربة الأولى والحقيقية لتشويه (الفن الواقعي) الذي يتفاعل معه المتلقي ويجد فيه متعة تحاكي اليوميات الاجتماعية. وظهر ذلك جليًّا منذ أن كتب رايمس أستاذ القانون الدولي في الأكاديمية الفرنسية: (إننا نشهد الأفول المخيف للفن التقليدي). وكل هذه الأفكار والعمليات الممنهجة في تغييب الذائقة والالتفاف على تزوير الشعور بجماليات الفن تم طرحها بوسائل دعاية وإعلام وصحف، وكان الأمر عائدًا لـ/ضمن تأسيس نظرية خاصة تدعو للسيطرة على عقولنا جميعًا. وربما نجد التفاصيل في هذه الأفكار أكثر حينما نطلع على طروحات جوستاف لي بون في كتابه (سيكولوجية الجماهير)، ولكن المشكلة الأوسع والتي لم ينتبه لها إلا القليل هي أن هذا الفعل في تغيير خطاب الفن والدعوة لمتابعة المختلف فيه والذي يتقاطع مع أفكارنا وعقولنا ونظرتنا تم تزويقه عبر تجار يهود، وهو ما ذكره موكلير حول أزمة الفن الحديث حينما أعلن بأن معظم نقاد الفن والمروجين لتجارته إنما هم من اليهود. وهذه الإشارة وردت في كتابات موكلير ومنها هذه العبارة: (كان الجميع ينفذون لعبة اليهود القائمة على تفتيت القيم الاجتماعية، ويرون في فن التصوير وسيلة لتحلل الذوق العام). ومرت أكثر من طريقة على روابط مشتركة تجمع بين الفن والتجارة ويروّج لها مثقفون من شتى دول العالم، وظهر جليًّا في طروحات المفكرين أن هناك علاقة لم تكن بعيدة بين الفن والماسونية، وهذا ما ذكره بول نودون في كتابه المشهور (النزعة الإنسانية للماسونية) حينما ذكر بشكل صريح أن الصلة بين الفن والماسونية مرتبطة بشكل طبيعي. وقد يبدو من المناسب أن نتأمل كل ما يحدث مع الفن المعاصر ونربط ذلك مع ما تستجيب له ذائقتنا ورغبتنا وتشوقنا لنفهم مضامين العمل وما تسهم به كشوفاته الجمالية من صياغة وتعبير في ظل ولادات معسرة تقف حائلاً أمامنا. أجد هنا من الضروري المقارنة بين كل تلك المساعي للتشويه في الفن وبين خطابات مناهضة لها، فقد نجد في مقولة (بلانتاجينيه) ما يسعدنا التذكير به يوم كتب بصريح عبارته الشهيرة: (إن الفن يعطي للإنسان الرغبة في المثل العليا، ويجعله يشعر بأنبل المشاعر). قد نصدق بأن قوة المال تفسد الفن والذائقة، ولكن قوة العقل تتسيد سبيل ما يلزمنا من التأمل لنفك حصار الجهل والتغييب الذي حلّ في الذاكرة والذائقة معًا.