عن الفلسفة « الكلبية» ..

ليسوا مجرد زُهّاد.

ظهرت الفلسفة الكلبية في القرن الرابع قبل الميلاد على يد انتستانس (تلميذ سقراط)، وتدعو إلى العيش وفق الطبيعة، والتحرر من الملذات المادية والمظاهر الاجتماعية الزائفة. وبحسب منظورهم، كلما خالف الإنسان الطبيعة، قلّت سعادته الدنيوية، واعتلّت صحته النفسية والبدنية. وكانوا يرون أن معظم الأعراف الاجتماعية يجب تحطيمها؛ لأنها مصطنعة وتخالف الطبيعة. بل إن بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال: «إذا كنت حكيمًا، فحذارِ أن تتعلم القراءة والكتابة؛ حتى لا يفسدك الغير». فالكلبية لا تثق بوجود الخير الفطري في الطبيعة البشرية. ويقرر انتستانس أن الفضيلة إنما تكون بالأفعال، لا بالخطب المطولة والمواعظ القولية. كما أنها، أي الفضيلة، تُكتسب بالزهد والابتعاد عن جشع الماديات، ورغبة الشهرة، وحب التملك. والتربية العقلية عند الكلبيين ليست بحثًا موضوعه الحقيقة، كما قد يُظن، وليست بناءً عقلانيًا لقضية ما، وإنما هي التأمل في فكرة من الأفكار أو حكمة من الحكم، بحيث يتأثر بها المتأمل نفسه تأثيرًا عمليًا وفعليًا، بعيدًا كل البعد عن النظر المجرد في موضوع مفارق. ونلحظ أن كلبية ديوجين ــ وهو الشخصية الأشهر في الفلسفة الكلبية ــ كانت ممارسةً عملية أكثر من كونها نظريةً ومذهبًا؛ فهو يحاول أن يقرّب الشقة بين مذهبه وبين الفنون والصنائع، كما ينقل إلينا ذلك إميل برهييه في «تاريخ الفلسفة» (ج2، ص23). فالإنسان ــ بنظره ــ يتحصل على الفضيلة بالمران والممارسة؛ فأهل الصنائع يتقنون حِرَفهم بالممارسة البدنية، وديوجين يتحصل على الفضيلة بممارسة التأمل الداخلي. وكلاهما جهد، ولكن المقصود هنا تحديدًا هو الجهد العاقل. لذلك ظلت الكلبية دائمًا مرتديةً رداء العقل. وشنّ الكلبيون هجومًا عنيفًا على الأحكام المسبقة والتصورات السابقة، فلم يألوا جهدًا في بيان بطلانها وكشف مواطن الزيف فيها. وقالوا أن لا سبيل إلى إصلاح الفرد من الداخل إلا بتحطيم قاعدة «هذا ما وجدنا عليه آباءنا»، فانبروا إلى نقد موروثهم نقدًا عقلانيًا صارمًا. واستخدموا خطابًا لاذعًا لكشف نفاق المجتمع وتناقض أعرافه السائدة. وكان الكلبي يعلن على رؤوس الأشهاد أنه مواطن عالمي، ويتقيد بقوانين الفضيلة، لا بدساتير المدينة. وكان هذا مخالفًا تمامًا للطرح السائد آنذاك، الذي كان يتبناه أفلاطون وإيزوقراطس؛ فقد كانا يقرران أن العرق اليوناني أفضل من غيره. وأحيانًا يلجأ الكلبيون إلى السخرية من الأفكار. فمثلًا، عندما بلغ ديوجين أن أفلاطون عرّف الإنسان بأنه «حيوان غير مغطى بالريش ويسير على قدمين»، أتى ديوجين بدجاجة، ونتف ريشها، وألقى بها إلى المستمعين، وقال وهو يضحك: «انظروا، هذا إنسان أفلاطون!». لقد قامت الكلبية بوضع البذرة الأولى للفلسفة الرواقية؛ إذ أن زينون، مؤسس الرواقية، كان تلميذًا لأقراطس الكلبي. كما أثّرت الكلبية أيضًا في العالم الإسلامي عبر زهد المتصوفة وتقشفهم. ويجدر بنا التنبيه إلى أن معظم حلقات اليوتيوب التي تتحدث عن الفلسفة الكلبية لا علاقة لها بحقيقة الكلبيين إطلاقًا، وإنما جلّ اهتمام أصحابها هو تقديم مادة جاذبة للجماهير، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة. ويكفي أن تقرأ «موسوعة تاريخ الفلسفة» لإميل برهييه، وما كُتب فيها عن الكلبيين، لتدرك تمامًا مدى تسطيح تلك الحلقات اليوتيوبية، تسطيحًا يصل إلى حد التزوير أحيانًا. فهم يأخذون من الكلبيين الهوامش ويتركون الجوهر والحقيقة؛ يأخذون على ديوجين أنه كان يسكن في جرّة فخارية كبيرة على قارعة الطريق، ويستحقر المال والثروة، ويتركون العملية النقدية العظيمة التي كان يمارسها تجاه الموروث الإنساني في زمانه. الخلاصة: لا تثق بمقاطع اليوتيوب؛ فقد شوّهت الفلسفة الكلبية أيّما تشويه.