أعرب ما تحته خط!
بدأت رحلة كثير من الناس مع الإعراب في مادة النحو أو القواعد في المدرسة، وارتبط الإعراب في أذهان كثير منهم منذ البداية بالصعوبة والتعقيد، حتى بدا أحياناً لغزاً مدرسياً لا تُعرف الغاية منه. وبعد انتهاء سنوات المدرسة، انقطعت صلتهم بالإعراب وانتهى عهد كثير منهم به. فتلك السنوات التي أمضى فيها كثير من الطلاب ساعات طويلة في الاستماع إلى شرح الرفع والنصب والجر وغيرها من الموضوعات النحوية لم تنجح في إيصال فكرة محورية عن الإعراب وهي أنه يمنح العربية قدراً من المرونة في بناء التعبير. وبالرغم من أن الإعراب ميزة عظيمة للغة العربية، فقد أصبح عند البعض مجرد مادة مدرسية بعيدة كل البعد عن التطبيق في الواقع. فالإعراب ليس مجرد إضافة حركات إلى أواخر الكلمات، بل هو سمة جميلة من سمات لغتنا العربية. فاللغة العربية احتفظت بنظام إعرابي قديم فقدت جزءاً كبيراً منه لغات كثيرة في عصرنا الحاضر. والإعراب في لغتنا لا يقتصر على تحديد الفاعل والمفعول به، بل يحمل عمقاً لغوياً وبلاغياً، ويعطي المتحدث مرونة في التقديم والتأخير لأغراض متعلقة بالمعنى، كالتركيز والمفاجأة والإيقاع وغيرها. فمثلاً نقول: “أكرمَ خالدٌ سعيداً”، فتكشف الضمة والفتحة الفاعل والمفعول به. ويمكن أن نقول لغرض بلاغي: “سعيداً أكرمَ خالدٌ”، فتظل الوظائف واضحة مع انتقال الاهتمام إلى سعيد. أما كثير من اللغات التي فقدت جزءاً كبيراً من نظامها الإعرابي، كاللغة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، فقد عوَّضت ذلك بالاعتماد بدرجة أكبر على ترتيب الكلمات وحروف الجر. فاللغة الإنجليزية مثلاً كانت تمتلك نظام حالات نحوية أوسع بكثير مما نجده في الإنجليزية الحديثة، فكانت أشكال كثير من الكلمات تتغير بحسب وظائفها وعلاقاتها النحوية داخل الجملة. ثم فقدت الإنجليزية الحديثة معظم ذلك، مع بقاء آثاره في بعض الضمائر، مثل: “he” و”him” و”his”. وكثير من اللهجات العربية المعاصرة لا تستخدم علامات الإعراب الاسمي الظاهرة على النحو الذي تستخدمه الفصحى، بل تُفهم العلاقات النحوية فيها من ترتيب الكلمات وحروف الجر والضمائر والسياق وغيرها من القرائن. فعلى سبيل المثال، تختلف صورة الاسم “محمد” في العربية الفصحى إذا كان فاعلاً أو مفعولاً به أو اسماً مجروراً (“جاء محمدٌ”، “رأيت محمداً”، “مررت بمحمدٍ”)، بينما تبقى صورته الظاهرة واحدة في كثير من اللهجات العربية في هذه المواقع (“محمد جاء”، “شفت محمد”، “رحت مع محمد”). وهنا تظهر مشكلة تعليمية أساسية فقد أصبحت كلمة “النحو” والعبارة المدرسية الشهيرة “أعرب ما تحته خط” مصدرَي قلق لدى كثير من الطلاب. فبدلاً من أن يكون الإعراب مرتبطاً بكشف المعنى وفهمه، تحول إلى اختبار لتحديد مواقع الكلمات في الجملة ورمزاً للصعوبة المدرسية. وهذا التصور السلبي عن النحو والإعراب هو مما يبعد الطلاب عن تعلم الإعراب وتطبيقه عند الحديث بالعربية الفصحى. لذلك ينبغي أن تُطوَّر أساليب تعليم النحو والإعراب للطلاب لتصبح المادة ممتعة وقابلة للتطبيق، وألا تصبح تسمية الحالة النحوية غايةً في ذاتها، بل وسيلة لفهم وظيفة الكلمة وعلاقتها بما حولها وأثر ذلك في المعنى. فبدلاً من أن يبدأ الطالب بحفظ القاعدة والعلامة ثم يفهم المعنى لاحقاً، ينبغي أن يبدأ بالمعنى ثم يتعلم القاعدة والعلامة. وينبغي أن يُقرن ذلك بالتطبيق والملاحظة، وأن يُربط النحو بالشعر والخطابة والقرآن والنثر؛ حتى لا تُنتزع القاعدة من السياق الذي يمنحها معناها. ختاماً، في الوقت الذي فقدت فيه لغات كثيرة جانباً كبيراً من أنظمتها الإعرابية القديمة، تبقى اللغة العربية إلى يومنا هذا محتفظة بنظامها الإعرابي العريق. ويبقى التحدي الحقيقي أن نحوّل خوف الطلاب من الإعراب إلى رغبة في اكتشافه وتعلمه، وأن ننقله من مادة مدرسية تُنسى بعد التخرج إلى أداة لفهم العربية وتذوقها واستعمالها. فالمحافظة على الإعراب لا تكون ببقائه في الكتب والمناهج، بل بأن تفهمه وتطبقه الأجيال القادمة.