الجمعيات التاريخية والمؤسسات العلمية يجب أن تتحمل مسؤوليتها..
التطفل على الكتابة في التاريخ وانتحال صفة المؤرخ.
ليس التاريخ حكاياتٍ تُلتقط من بطون الكتب، ولا أخبارًا متناثرة يجمعها القارئ من هنا وهناك، ثم يعيد ترتيبها ليمنح نفسه لقب (مؤرخ) فالتاريخ علم له أصوله ومناهجه وأدواته، وله طرائق في نقد الرواية، وفحص الوثيقة، والموازنة بين المصادر، وفهم السياقات، والتمييز بين الخبر والتفسير، وبين الرواية التاريخية والذاكرة الشعبية. ومع سهولة النشر واتساع المنصات، تكاثر من يكتبون في التاريخ، حتى أصبح لقب (المؤرخ) من الألقاب التي يخلعها بعض الناس على أنفسهم دون تأهيل علمي كافٍ أو ممارسة بحثية رصينة. وجلُّ رأس مال بعض هؤلاء قراءات سطحية متناثرة، ومعلومات التقطوها من كتاب هنا، ومقال هناك، ومقطع عابر في منصة إلكترونية؛ ثم سرعان ما يتحول هذا الرصيد الهش إلى أحكام قاطعة في قضايا تاريخية شائكة، وربما إلى تصحيح للمؤرخين وردٍّ للمصادر ونقضٍ لما استقر عليه البحث العلمي. وقديماً قيل: (من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه). وليس في هذه المقولة انتقاص من شأن القراءة، فالكتاب أصل المعرفة ووعاؤها، وإنما المقصود أن القراءة وحدها لا تصنع متخصصًا؛ لأن التخصص ليس مقدار ما يقرأ الإنسان فحسب، بل كيف يقرأ، وبأي منهج يقرأ، وكيف ينقد ما قرأ، وأين يضعه من سياقه ومصادره وشواهده. ولعل من يحضر المؤتمرات والملتقيات السنوية التي تقيمها الجمعيات التاريخية المتخصصة يلحظ أحيانًا حضور بعض المنتسبين الذين لا تكشف مداخلاتهم ولا كتاباتهم عن صلة حقيقية بمنهج البحث التاريخي، مع أنهم يقدَّمون أو يقدمون أنفسهم بوصفهم مشتغلين بالتاريخ. وليس الاعتراض على عضوية المهتم أو حضوره؛ فالمؤسسات العلمية يحسن بها أن تنفتح على المجتمع، وإنما الإشكال حين تتحول العضوية أو كثرة الحضور إلى شهادة ضمنية بالتخصص، فيتخذها غير المؤهل جسرًا لاكتساب صفة (المؤرخ). وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد لقب. فالمتطفل على الأدب قد يفسد ذائقة، والمتطفل على اللغة قد يشيع خطأ، أما المتطفل على التاريخ فقد يعبث بذاكرة مجتمع بأكمله؛ لأنه يتعامل مع الأنساب والأحداث والشخصيات والمواضع والحقوق والوقائع التي تشكل جانبًا من وعي الناس بأنفسهم وماضيهم. والأشد خطرًا أن بعض هؤلاء لا يقف عند حدود نقل الأخبار، بل يقتحم المسائل الكبرى بثقة لا تتناسب مع أدواته؛ فيهدم رواية لأن ظاهرها لم يعجبه، ويثبت أخرى لأنها توافق تصوره المسبق، ويخلط بين الاحتمال والحقيقة، وبين الرواية والوثيقة، وبين الشائع والثابت، ثم يخرم مسلمات تاريخية بغير بينة علمية كافية. ومشكلة الجهل هنا ليست في نقص المعرفة وحده، وإنما في الجهل بحدود المعرفة؛ فالمتخصص كلما اتسعت معرفته ازداد احترازًا، أما قارئ الأطراف فكثيرًا ما تمنحه معلوماته القليلة يقينًا لا تمنحه إياه المعرفة العميقة. ولا يعني هذا احتكار التاريخ داخل أسوار الجامعات، ولا أن الشهادة الأكاديمية وحدها تصنع مؤرخًا؛ فقد عرف التاريخ باحثين محققين أسهموا فيه إسهامات معتبرة من خارج التخصص الأكاديمي المباشر. لكن هؤلاء لم يصبحوا مؤرخين بمجرد الدعوى، وإنما بما امتلكوه من أدوات التحقيق، وطول الملازمة للمصادر، ودقة التوثيق، والانضباط المنهجي، وما قدموه من إنتاج خضع للفحص والنقد وأثبت قيمته. ومن هنا تتحمل الجمعيات التاريخية والمؤسسات العلمية مسؤولية مضاعفة. فالانفتاح محمود، واستقطاب المهتمين مطلوب، لكن ينبغي ألا تختلط عضوية الجمعية بصفة المؤرخ، ولا حضور المؤتمر بالأهلية العلمية، ولا الاهتمام بالتاريخ بالتخصص فيه. ومن المهم أن تكون هناك حدود واضحة بين الباحث المتخصص، والباحث المستقل الذي أثبت إنتاجه جدارته، والمهتم أو الهاوي الذي يقرأ ويتابع ويتعلم. فالتاريخ ليس أرضًا مشاعًا لمن امتلك الجرأة على الكلام فيه، وإن كان الاطلاع عليه حقًّا مشاعًا للجميع. وبين قارئ التاريخ ومؤرخه مسافة طويلة اسمها المنهج؛ وبين الاهتمام به والتخصص فيه سنوات من التعلم والبحث والنقد والتحقيق. وما أحوج بعض من يزاحمون المؤرخين في مؤتمراتهم، ثم يعودون إلى المنصات مزهوين بلقب (المؤرخ) إلى شيء من التواضع العلمي؛ فليس عيبًا أن يقول المرء: أنا مهتم بالتاريخ، لكن العيب أن يستعير سلطة العلم قبل أن يمتلك أدواته. فالتاريخ ذاكرة الأمم، والذاكرة أخطر من أن تُترك لمن يحسن جمع الحكايات ولا يحسن مساءلتها، أو لمن قرأ التاريخ حتى ظن أنه أصبح مؤرخًا، ولم يدرس التاريخ بما يكفي ليعرف لماذا لم يصبح كذلك بعد.