أمل شطا (الرواية النسائية في المملكة العربية السعودية - الريادة والتأصيل)..

رؤية اجتماعيّة إصلاحيّة ومنهج أخلاقي يحتفي بالنماذج المثاليّة.

شغلتني قضية الريادة في المجالات الإبداعية والفكرية بعد أن انصرفت زمناً ليس باليسير في قراءة الأعمال الإبداعية لجيل الشباب، فرأيت من الواجب أن أتوقف بين الحين والآخر عند الروّاد الذين أسسوا لهذا الحراك النشط في المجال الثقافي والأدبي، ولما كانت الرواية العربية في المملكة العربية السعودية قد شهدت ما يشبه الطفرة منذ العقد الأخير من القرن الماضي، وقد شاركت المرأة المبدعة بنصيب وافر في الفن الروائي بخاصة، والفنون الأدبية الأخرى بعامة تستحق الوقوف على المرحلة التي تجاوزت فيها مرحلة الريادة إلى التأصيل، وكان ذلك فيما يشبه الإجماع على أن الروائية أمل شطا كانت في أعمالها الروائية مؤسّسة لهذه المرحلة، والروّاد الأوائل في مختلف فنون الكتابة يستحقون منا أن نلتفت إلى دورهم التأسيسي بوصفهم مَن أرسوا الأسس التي انطلقت منها شرارة التطوير والتحديث الملهم لمن جاء بعدهم من الأدباء؛ واستشعاراً بضرورة الوفاء لهؤلاء الروّاد عمدت إلى قراءة دورهم من خلال إنجازاتهم على نحوٍ (ما) في إشارة ضمنيّة إلى أهمية أن يكونوا موضوعاً لدراسات لاحقة مُنصفة لأجيالنا الصاعدة؛ وقد كان للمرأة دور لا يستهان به في نهضتنا الأدبية في السعودية، وفي غيرها من الأقطار العربية؛ من هنا كان اختياري للروائية الأصيلة التي سبق أن كتبت عن بعض أعمالها ورأيت من الإنصاف أن أستكمل الكتابة (وإن بدت رمزية خاطفة). فقد أصدرت خمسة أعمال روائية مهمة: «غدًا أنسى»، الصادرة سنة 1980م، ثم «لا عاش قلبي»، سنة 1989م، ثم «آدم يا سيدي»، وقد اختلفت بيانات المصادر في سنة طبعتها الأولى بين 1995م، ثم «رجل من الزمن الآخر»، الصادرة سنة 2006م، وأخيرًا «الحب دائمًا»، الصادرة سنة 2009م. أمل شطا لم تكن أول امرأة سعودية تكتب الرواية؛ فالريادة الزمنية تعود إلى سميرة خاشقجي، التي بدأت مبكرًا برواية “ودّعت آمالي”، ثم توالت أعمالها. لكنها وإن حظيت بدور الريادة الروائية في تباشيرها الأولى فقد كانت أعمالها ذات طابع رومانسي ساطع، وبناء جمالي متواضع يعتمد على بنية تقليديّة في حبكتها الروائية تعتمد على المصادفة المحضة في كثير من الأحيان، والنزعة العاطفية المسرفة التي انعكست على الفضاء الزماني والمكاني وبنية (الأحدوثة) أي (الحدوتة) باللهجة الدارجة على النمط السردي المعتاد في الحكاية. أما هدى الرشيد في روايتها الشهيرة “غدًا سيكون الخميس” فبدت أكثر نضجًا من سابقاتها، لكنها ظلت مرحلة انتقالية في تطور الرواية النسائية؛ فهي فضلاً عن البعد الوجداني العاطفي الذي عهدناه عند سميرة خاشقجي كان للبعد الاجتماعي الهادف نصيب؛ إذ عرضت لأزمة المرأة التي تناضل من أجل حريتها في مجتمع محافظ؛ فهي تركز على مسألة (حقوق المرأة) في اختيارها لشريك حياتها وما يترتب على ذلك من تحرّر من الأغلال التي كبّلت المرأة زمناً ليس باليسير، وقد مهدت لما سيظهر بعد ذلك بصورة أوضح في أعمال مثل «غدًا أنسى» لأمل شطا. وقد حظيت أعمال أمل شطا بكثير من الدراسات في وقت مبكر لافت للانتباه؛ ولعل في مقدمتها دراسة الأديب الرائد عزيز ضياء الذي سبق أن عرضت له ضمن مشروع الوفاء للرواد الكبار الذي أخذت على عاتقي الاهتمام به، ولو في بعده الرمزي، فقد كتب مقدمة نقدية مطولة لرواية “غدًا أنسى”، منطلقاً من فهمه بوصفه ناقداً ثبتاً مُلمّاً بتقنيات هذا الفن وقد رأى “أن الرواية تتميّز، قياسًا بكثير من الأعمال المحلية التي عرفها، بقوة المعالجة الفنّية والتناول الدرامي والقدرة على النفاذ إلى نفسيات الشخصيات، وذهب إلى منحها موقعًا متقدمًا في الرواية السعودية”. أما الدكتور سلطان بن سعد القحطاني فقد تناول أمل شطا في كتابه “الرواية في المملكة العربية السعودية: نشأتها وتطورها 1930–1989”؛ في إطار التطور الفني للرواية السعودية دون أن يتوقف عندها وقفة نقدية خاصة. وقد كانت مقاربتي لنتاجها الروائي في إطار الدور الذي نهضت به في سياق تطور الرواية في كتابي “الرواية في الأدب السعودي المعاصر”، وأشرت إلى رواية «غدًا أنسى» وأعمالاً لاحقة لأمل شطا، مشيراً إلى التقنية والبناء الروائي، ودورها في تأصيل الفن الروائي المحلي. وكذلك الدكتورة نورة بنت محمد بن ناصر المري التي خصّصت مساحة مهمة لأمل شطا في رسالتها للدكتوراه “البنية السردية في الرواية السعودية: دراسة فنية لنماذج من الرواية السعودية” جامعة أم القرى، 1429هـ/2008م. وتعد هذه الدراسة بالغة الأهمية؛ لأنها لم تكتفِ بذكر (غدًا أنسى)، بل قارنتها بالبدايات النسائية السابقة، ورأت أنها تختلف عنها من حيث سلامة الأسلوب والقدرة على توظيف تقنيات البنية الروائية، ثم ذهبت إلى أن «غدًا أنسى» تمثل، في تقديرها، أول رواية فنّية للمرأة السعودية، مع موازنتها بتجارب حامد دمنهوري وإبراهيم الناصر في الرواية السعودية الفنية. أما الدكتور معجب سعيد العدواني فقد تناول أعمال أمل شطا من زاوية المكان والعتبات في كتابه “تشكيل المكان وظلال العتبات”، الصادر عن نادي جدة الأدبي مطلع هذا القرن؛ وقد توقف عند «غدًا أنسى»، ورأى أن الرواية تعتمد المقاييس الزمنية بدرجة أكبر من المقاييس المكانية، كما تناول (آدم يا سيدي) في سياق دراسة المكان في الرواية النسويّة السعودية، ورأى أن المكان فيها يتراجع أمام هيمنة الشخصية والخطاب الوعظي، بينما يؤدي الغلاف والعنوان وظيفة موازية دالة. والدكتور حسن محمد النعمي تناول رواية (غدًا أنسى) في دراسته (الآخر في الرواية السعودية: دراسة في الخطاب الثقافي) وركّز على صورة الآخر وعلى العلاقة بين الذات السعودية والشخصية الجاوية في الرواية، ورأى أن الخطاب يحمل في بعض جوانبه نزعة استعلائية تجاه الآخر، وقد عرضت مجلة (الرواية: قضايا وآفاق) هذه الدراسة ضمن عددها الخاص بالرواية السعودية المعاصرة. ومعجب العدواني تناول روايتها (لا عاش قلبي) ضمن دراسته عن (الرواية السعودية والمجتمع المدني: بواكير وإرهاصات)، حيث جعلها مع عدد من الروايات المبكرة مادة لفحص تمثلات المجتمع المدني والتحولات الاجتماعية في الرواية السعودية. أما صغير أحمد ضامن فقد خصّص دراسة مباشرة بعنوان (قراءة في رواية آدم يا سيدي لأمل محمد شطا)، نشرت سنة 2019م في مجلة منصة (نقيب الهند). وتتعرض الدراسة للبنية الجمالية والبرنامج السردي، كما أنه عرض للمقارنة بين أمل شطا وعبد الله الجفري من حيث الاتجاه الرومانسي واللغة وتقنيات السرد. أما آمال يوسف وماجدة زين العابدين وأسماء العمري فقد تناولن رواية «غدًا أنسى» في كتاب (في الأدب العربي السعودي: دراسات أدبية وقراءات نقدية)، الصادر عن مكتبة المتنبي بالدمام سنة 1433هـ، في نحو 400 صفحة. ويضم الكتاب فصلًا في الرواية السعودية يتخذ (غدًا أنسى) نموذجًا، ويقدم قراءة نقدية مستقلة لها. وتناول عمر محفوظ (غدًا أنسى) و(آدم يا سيدي) ضمن دراسة موسعة بعنوان (خصائص السرد النسوي في الرواية النسوية السعودية: بين التمرد والتملك)؛ فاعتبر (غدًا أنسى) نقطة تحول في السرد النسائي السعودي من حيث النضج الفني، وحلل (آدم يا سيدي) من زاوية الخطاب الذكوري والأنثوي وصورة المرأة وعلاقتها بالرجل، كما ناقش فيها الشخصية والسرد والاسترجاع والزمن. وهناك دراسة حديثة بعنوان «شخصية المرأة في الأدب السعودي: الروائيات النسائية نموذجًا» للباحث عابد العتيبي، منشورة سنة 2023م في مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية؛ اتخذت «غدًا أنسى» واحدة من عيّناتها الرئيسة، وحلّلت شخصية «تيما التي لقّبت بفاطمة الزهراء» بوصفها نموذجًا للشخصية المتحوّلة، إلى جانب روايات نسائية سعودية أخرى. كما تناولت مريم سالمي رواية “رجل من الزمن الآخر” ضمن دراستها لـ (خطاب الروائي النسوي السعودي: قراءة في هوية المرأة وبناء ذاتها) المنشورة في مجلة (القارئ للدراسات الأدبية والنقدية واللغوية) المجلد 5، العدد 2، يونيو 2022م؛ إذ وضعت الرواية ضمن استعراض واسع للرواية النسوية السعودية، ودرست خطاب المرأة وبناء الهوية والذات. وتفضي هذه الدراسات إلى أن منجز الروائية أمل شطا يمثل نقلة مهمة من الجانبين الجمالي والرؤيوي؛ فقد كانت أعمالها بداية رصينة وطّدت أركان الرواية النّسوية السعودية التي اكتملت فيها الرواية بعناصرها الفنية المألوفة منذ أن أصدرت روايتها (غداً أنسى)، ولا يعني ذلك أنها تخلصت تماماً من بعض السمات المتمثلة في التقرير والمباشرة وبعض الفجوات الفنية، وهذه طبيعة المرحلة، ولكن يُحسب لها أنها في أعمالها الروائيّة المتتابعة عملت على تطوير أدواتها ورؤاها، أما من حيث الثراء الجمالي فقد جمعت بين النزعة الرومانسية والواقعية بما ينسجم مع طبيعة الحراك الاجتماعي وتشكُّل الطبقة المتوسطة التي هي ركيزة أساسية في بناء المجتمع المدني والبناء الحضاري، والإنجاز الأهم هو التركيز على قضية المرأة وفعاليتها الاجتماعية ومعاناتها ودورها، فمعظم رواياتها تتمحور حول علاقة المرأة بالرجل ودورها في الأسرة والمجتمع، وقد أولت الجانب القيمي والأخلاقي أهميةً قصوى؛ ولهذا فإن سمة المحافظة على احترام القيم والتقاليد الاجتماعية جعلتها في المنطقة الوسطى ولا أقول الرمادية بين التقليد والتجديد؛ وبمعنى أدق فإنها لا تميل إلى اتخاذ موقف راديكالي متمرّد؛ وإنما تنزع إلى الإصلاح الذي لا يهدم ويجذّر ويؤصّل؛ بل يصحّح ويترمَّم؛ وهو أقرب إلى الوسطية الإسلامية كما ورد في الآية القرآنية الكريمة “وكذلك جعلناكم أمة وسطاً” أي على نحو ما ذهب إليه المفسرون الوسطية (العدل والخير والأفضل كما يقول ابن كثير في تفسيره: الوسط الخيار الأجود، ويضرب مثلاً على ذلك بقولهم: “قريش أوسط العرب” أي خيارهم). ومن الملاحظ أن أعمالها الروائية بدءاً من روايتها (غداً أنسى) تجاوزت البناء التقليدي للشخصية الروائية التي تتمثل في الوصف الخارجي وملامح السلوك لتغوص في البعد النفسي وتشابكاته وملامح الطباع فيه، وما يدور في وعي الشخصية وباطنها، ولا سيما الشخصية النسائيّة، معوّلة على مذخور الذاكرة ومراجعاتها ومتكئةً على تقنية (الفلاش باك) وحديث النفس الذي يقترب من المونولوج الداخلي وتيار الوعي. ومن تتبعنا إنتاج الكاتبة منذ بواكيرها الأولى ندرك الدور التأصيلي الذي نهضت به؛ فروايتها الموسومة بـ (غداً أنسى) تتقاطع فيها المثالية الرومانسية التي تمثلها الأم الصابرة المضحيّة الوفيّة التي تمتلك من الصفات ما يجعلها ترقى إلى مكانة سامية، تضطرها إلى المعاناة والتشرّد والغربة وحيدة، حيث توظّف الكاتبة كل طاقات مخيّلتها الروائية التي تبدو متجاوزة للسقف الذي يمكن أن تصل إليه هذه المثالية الوجدانية من تتبّعٍ وصبر، ثم من تسامحٍ وتضحية على الرغم من الخذلان والنكران، وربما يمكن تجاوز مسألة السببيّة بمفهومها الواقعي في تطور الأحداث وتوظيف الصدفة في بناء السرد وتلاحق الوقائع، وهو ما يتناسب مع المخيال الثقافي الموروث، ويقترب من تخوم المرحلة التي يتوازى فيها الواقع مع الخيال، ويتناسب مع الذائقة الأدبيّة في تلك المرحلة حيث نجحت الكاتبة في توفير الجاذبيّة التي تدفع القارئ إلى المتابعة والاستمتاع بالمفاجآت التي تلبّي رغبة القارئ في تلك المرحلة، وفي الوقت ذاته لامست بشيءٍ من الجرأة سلوكيات الطبقة الميسورة مادياً وسعيها نحو المتعة باستثمارها لثقافة التبرير والتسويغ، ولكنها أقدمت بجرأة واقعية على تتبّع سلوك الطبقة التي تقع على الحدود الفاصلة بين الشرائح الثرية من المجتمع من التّجار الذين يجمعون بين عقلية إقطاعيّة تنظر إلى من دونها بمنطق استعلائي؛ وتنتمي اقتصادياً إلى الطبقة البرجوازية في استحواذها على المال والنفوذ الاجتماعي، وتمتلك الكاتبة رؤية واقعية انتقاديّة توازي تلك السمة التي تميزت بها الرواية العربية في مرحلتها الانتقالية بين مثاليّات المنفلوطي ورومانسيات محمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي ومخمليّات إحسان عبد القدوس لتقترب من الحسِّ الواقعي عند الجيل الذي تلا هؤلاء ممثلاً في نجيب محفوظ ويوسف السباعي. ولكن ثمة من يرى أن أقرب الأعمال إليها، رواية (الباب المفتوح) للكاتبة الروائيّة المصريّة (لطيفة الزيات) ورواية (أنا أحيا) لـ (ليلى بعلبكي) في مغالبة السلطة البطرياركية (الأبوية) التي تحاصر المرأة وتصادر ذاتها مع الفارق بين طبيعة المجتمع في المملكة العربية السعودية ومصر ولبنان؛ وقد يرى البعض ويقارنها برواية نوال السعداوي (امرأة عند نقطة الصفر) ولعل في ذلك مبالغة كبيرة بين رؤية الكاتبتين؛ فأمل شطا لا تخرج عن نطاق التصوّر الإسلامي لدور المرأة بينما نوال السعداوي قد نأت بعيداً في تصورها للعلاقة بين الرجل والمرأة، وثمة إجماع نقديٌّ - إن صحَّ التعبير – على أن رواية أمل شطا جاءت متوازنة في رؤيتها الاجتماعية وبرنامجها السردي فوازنت بين واقعيّة ميدانيّة ملحوظة ورومانسيّة وجدانية مثالية، وأما من الناحية الجمالية فقد التزمت بلغة منسابة سرديّاً وأسلوبيّاً تخلو من المنزلقات النحوية والابتذال المعجمي، سَلِسة واضحة، وجاء برنامجها السردي بعناصره المكانية والزمنية وسياقاته كافة من حيث الحبكة متناسقاً والتشكيل الجمالي للشخصيات متسقاً مع البنية الجامعة بين ما يعرف عند المدرسة الشكلانية الروسية بـ (التاريخ) أي السّرد وما يعرف بـ (الخطاب) الذي تتوقف فيه العملية السردية لتفسح المجال أمام التعقيب أو التعليق والتوضيح؛ ومن الناحية العلميّة المنهجيّة فإن الواقعية الانتقادية لها مقوماتها الخاصة وخلفيتها النظرية التي لا تتّسق مع السياق الروائي للكاتبة في مساره الخاص وخصوصيته في مجتمع محافظ يضع حدوداً للانتقاد وفقاً للتقاليد السائدة اجتماعياًّ وقيمياًّ؛ فكُتّاب هذا الاتجاه يتجاوزون تصوير الواقع إلى نقد البنية التي يتشكّل عبرها الواقع بما ينطوي عليه من ثغرات اجتماعيّة كانت أو نفسيّة أو اقتصاديّة، وما يشوبه من نقائص تفضي إلى الظلم والفقر أو الانحراف القيمي والأخلاقي، فضلاً عن الاهتمام بالشرائح المكوّنة للطبقات الوسطى والفقيرة في إطار الحراك الاجتماعي العام، والكشف عن ديناميّات الواقع بمكوّناته العامة؛ وليس مجرد الهموم الشخصية، فالظواهر الاجتماعيّة تبرز نتاجاً لما تفرزه البيئة وشبكة العلاقات السائدة فيها، وتكشف عن أسبابها ولا تتوقف عند ظواهرها الفردية؛ ففي (لا عاش قلبي) ثمة وقائع فرديّة في بيئة غير محليّة يبدو من خلالها خلل قيميّ؛ ولكن مثل هذا الخلل لا يمكن مقاربته في سياق اجتماعي؛ فالبطل طارئ على بيئة غير بيئته، ولا يمثل طبقة اجتماعيّة لها خصائصها العامة؛ بل ربما نمط سلوكي عام يمكن أن يوجد بوصفه حالةً فرديّةً في أي مجتمع، مثال ذلك الاغترار بالمظهر والتعامل مع الأشخاص وفق مبدأ الحكم على الإنسان من مظهره؛ فحين تصل تيما إلى المدرسة تحسبها المديرة من فئة اجتماعيّة دونيّة متسولةً فتقول: “مظهرها غريب، ظننتها في بادئ الأمر، جاءت تطلب إحسانًا” ص21. ومن الوقائع الدالة على استعلاء الرجل الشرقي ونفوذه في داخل الأسرة حدّ التسلط، اصطحاب عبد المجيد ابنته (إسلام) دون موافقة أمها عند عودته إلى مكة ضارباً عرض الحائط بمشاعرها وأمومتها دون السماح لأمها بمرافقتها، وذلك ظلم بيِّن يكشف عن مدى التسلّط الذي يمارسه الرجل دون وازع، ويتركها في بلدها (جاوة) دون أن يكفل لها مقومات الحياة، فالكاتبة تسلط الضوء على مدى الظلم الناجم عن سوء استخدام السلطة بوصفها واقعةً فرديّةً؛ وليست سمة اجتماعية عامة، وهي ليست بمعزل عن السمات الشخصية لبطل الرواية؛ وإذا ما أردنا تشخيص هذا السلوك فإننا نردهّ لسلوك بشريٍّ معهود؛ وليس بوصفه ظاهرة اجتماعية عامة. فالانتقاد يتناول نمطاً من أنماط السلوك التي تميّزت بها شخصية الأب الذي ضلّل ابنته وأدخل في روعها أن أمّها ماتت مع أنها على قيد الحياة تعاني من جرّاء حرمانها منها؛ ولعل مقولة (من أمن العقاب أساء الأدب) تلخّص فيها تيما شخصية عبد المجيد فتصفه بقولها “الجميع يحترمه ويخافه، وهو لا يخاف أحدًا” ويبلغ بها القهر ذروته فتقول “لم يخف حتى من الله” ص38؛ وبعد أن تفقد تيما سندها المالي والأسري، يحاول «ألنتو» مراودتها عن نفسها مستغلًا ضعفها وحاجتها؛ لكنها تقاومه. والسلوك موضع النقد هنا هو الاستغلال الجنسي للمرأة حين تصبح ضعيفة اقتصاديًا واجتماعيًا، وهذه الواقعة مهمة في القراءة الاستشرافية؛ لأن أمل شطا تربط الخطر الذي يواجه المرأة بغياب الحماية والاستقلال المادي، وألنتو هو صديق والد تيما (سراج الدين) وهو قرين سوء أضرّ بصاحبه وأضاع أمواله، من هنا كان منظور الرواية يتعلق بفساد التسلّط الذي اتّسمت به شخصية الرجل الشرقي الذي تنكّب السبيل القويم، فبدت النزعة الانتقاديّة شديدة الوضوح فضلاً عن النزعة النّسوية التي تتجه إلى انتقاد التسلّط الذكوري؛ وكذلك الإشارة إلى البعد المتعلّق بالفساد الناجم عن سلطان الثروة، ولكن البعد الرومانسي الذي ينأى عن المنحى الواقعي ويتمثّل البعد القيمي الأخلاقي في الصحوة المفاجئة للضمير الغائب والمثالية المطلقة في المرأة النبيلة التي تتغاضى عن كل الإساءات، وتنصرف إلى العناية بزوجها الذي تنكّر لها وكان سبباً في حرمانها من ابنتها، فقد تجاوزت هذه المرأة المخلصة كلَّ العقبات الواقعية المتمثلة في دأبها على البحث عن ابنتها متجاوزةً كونها أنثى في مُغترب واسع وفي الاتكاء على المصادفة التي تتميز بها الرواية الرومانسية وتنكّبها للسببية المقنعة في دينامية التطور عبر السرد، وقد سبق أن وقفت عند هذه الظاهرة الفنية في كتابي عن فن الرواية في المملكة العربية السعودية. أما روايتها الثانية بعد «غدًا أنسى» فهي (لا عاش قلبي)، التي صدرت سنة 1989م، ثم تلتها (آدم يا سيدي) سنة 1997م، و(رجل من الزمن الآخر) سنة 2006م. ورواية (لا عاش قلبي) تمثل نقلة مهمة؛ إذ تمحورت حول قضية المرأة في البيئة المحليّة فاقتربت أكثر من الواقع الذي تعيش فيه وأصبحت على تماسٍّ مع الرؤية الانتقاديّة لهذا الواقع وتقاطعت مع الرؤية النسوية وملامحها بوصفها تياراً أدبياً نقدياً ذا طابع منهجي يلامس السائد في الآداب العالمية على نحو أو آخر دون إغفال البعد القيمي والإنساني، مع التركيز على شخصية المرأة والاهتمام بها، فمجموع الخيبات التي تتردّى فيها المرأة في هذه الرواية عبر المعاناة في العلاقة العاطفيّة والأسريّة والاجتماعيّة، تبدو امتداداً لرواية (غداً أنسى) من حيث التركيز على المعاناة والفجوات التي تحول بين المرأة وانسجامها مع بيئتها الأسرية والاجتماعية وإخفاقاتها وعذاباتها المتمثلة في تقاليد اجتماعية هاضمة لحقوقها ومقيّدة لحريتها، تحول بينها وبين حقها في أن تنال نصيبها العادل من الحرية في علاقاتها أو كرامتها، ومع كل ذلك تبدو مسالمة غير ثائرة أو متمردة ولكنها على وعي بحقوقها وسبب معاناتها؛ وذلك يمثل واقعاً اجتماعياً في مرحلة لم يصل فيها الحراك الاجتماعي إلى الدرجة التي تتبلور فيها شخصية المرأة لتطالب بحقوقها؛ وذلك مرتبط بعدم نضج الظروف التي تتيح للطبقة المتوسطة أن تكتمل ملامحها، ولهذا تظلّ المعاناة في الدائرة الداخلية التي ترصد وقع الظلم الذي تعاني منه دون أن تملك مواجهةً عمليةً له؛ فالصراع يظلُّ حبيس الداخل، ولا يملك القدرة على المواجهة والتمرّد، ولعل في النص التالي ما يعبر عن لحظات الفقد التي استرجعت فيها البطلة عائشة في لحظة الفقد مشاعرها الحقيقية: “ولكني وقفت يومها عند قدميك ذليلة، أنفاسي المتلاحقة تسترحم أنفاسك الخامدة، وقلبي ملتاع خاشع يناجي قلبك الصامت، وجسدي يرتجف ويصرخ مستغيثاً وجسدك مسترخٍ في سكينة غامضة، اقتلعت السكينة من أعماقي، وقفت يومها عند قدميك ذليلة يا حمزة أستحلفك بالله أن تغفر لي تقصيري في حقك وعصياني وقلة صبري، وعذري في ذلك أنني قد عشت عمري أعلم أنك تحمل قلباً أكبر من قلبي، وصدراً أوسع من صدري ونفساً لا تعرف الكراهية” ص14. وقد رأيت أن اقتبس هذا النص الطويل لأنه يلخص الموقف برمته للعلاقة بين الزوجين التي تستعيد عبر الذاكرة الوجدانية حقائق غابت في غمرة الانغماس في الحياة اليومية وهمومها، واللافت أن الكاتبة جسّدت لحظة الغياب عبر عدستها الكاشفة المسلّطة إلى دواخلها، المتجهة إلى المشهد الخارجي ومحيطه الاجتماعي ممثلاً في اللحظة الحرجة على حافة الغياب؛ فشخّصت موقف الرجال إخوة الزوج: عبد اللطيف بعكازه وإسماعيل بصوته الجهوري وجسده الضخم في مقاربة ضمنيّة لما بينهما وبين الفقيد من بون شاسع، فقد كان الأخ بارداً جافّاً متبلّد الاحساس في الوقت الذي تشتعل فيه أحاسيسها ومشاعره اتجاه زوجها الفقيد. والمرأة ممثلة في بطلة الرواية (عائشة) هي الساردة تنطلق من بؤرة الحدث؛ ومن هذا الموقع تسنّى لها أن تبوح بمشاعرها وفيض أحاسيسها وتفضي بمكنوناتها تجاه زوجها الراحل (حمزة) وهو الغائب الحاضر في مفارقة تشكل شعريّتها وتنطلق جمالياتها في عشرة فصول، تخاطبه في الفصل الأول منها معترفةً بحبه لها واحتوائها، وهي مقدّمة اعتادت على مثلها في الفصول الباقية، وقد بدا وصفها لسلوك إسماعيل أخ زوجها الذي حاول أن يستحوذ عليها وعلى أبنائها والغدر بزوجته الأولى التي كانت سبباً في توفير المال له ورفعة شأنه، والمفارقة هنا تتمثل في وقوف القاضي إلى جانبها والحيلولة بينه وبين استثمار سلطانه لضعفها، ونجحت في النجاة منه؛ فنحن أمام رجلين الأول أراد استغلالها والثاني أنصفها وهنا تكمن المفارقة، ومضت في بناء فصولها ومقدمات الفصول على النحو الذي أشرت إليه مخاطبةً لزوجها الغائب الحاضر في وجدانها: “لقد وضع الله الرحمة في قلبك وأودعها قلبي وزرع الحب في قلبك وغرسه في قلبي” ص36. وأما المفارقة السرديّـة فتكمن في بدء الرواية من آخرها والانطلاق بعد ذلك إلى الرجوع إلى أوّلها عبر تقنية (الفلاش باك) وقد بدا واضحاً في الرواية تلك النزعة التراجيدية التي لاحقت الأسرة ممثلة في (سلمان) الذي وقع فريسة الإدمان وأفضى به ذلك إلى نهاية مأساوية أنهت حياة (سلمان) شقيق عائشة، وأعقب ذلك في سلسلة المفارقات في الرواية زواج عائشة ومحاولة شقيقة الزوجة إفساد هذا الزواج. وثمة مفارقة أخرى تتمثل فيما آلت إليه العلاقة بين عائشة وحمزة بعد غيابه؛ فقد استطاعت الكاتبة أن تعزف بدقة على الوتر النفسي، فقد تحولت بعض المشاهد الواقعيّة التي ربما نغصت الحياة الزوجية إلى مشاهد أعيد تعريفها بتأثير الفقد إلى مواقف عاطفية وسوّغت لتتناسب مع السياق الجديد الذي نجم عن الرحيل، وهذه الرؤية التي نبتت في مرحلة ما بعد الفقد تتسق تماماً مع الجانب النفسي بعد أن انكشف الغطاء عما هو مستكنٌّ في الوعي، وتبدلت النظرة وأعيد تفسير الموقف، لقد بدا واضحاً أنه لا تُعرف قيمة الأشياء إلا بعد الحرمان منها. ورواية (آدم يا سيدي) لم تكن لتقتصر على الوقائع المتعلقة بالحياة الأسرية المتعلقة بعائشة وحمزة فحسب؛ بل كانت الخيط الناظم لمحيط اجتماعي بكامله يتّصل بالحياة الزوجية والعلاقة الاجتماعية بين الجنسين من خلال رؤية جامعة؛ من هنا كانت العتبة الأولى التي تتمثل في العنوان (آدم يا سيدي) إشارة إلى النموذج الإنساني المتعلق بالنوعين الأنثى والذكر؛ ولهذا انتظمت في الرواية سلسلة من القصص الرديفة التي غذّت الرؤية العميقة للحياة في مجراها الواسع؛ فقد اختارت الكاتبة لبطلتها في الرواية مهنة ذات دلالة؛ فعائشة أخصائيّة اجتماعية، وهذا من أهم المفاتيح التي تقودنا إلى تصوّر الكاتبة في شموليته وعمقه لأنها تتّسع بالدائرة لتجوس خلال مجتمعٍ بكامله والنفاذ إلى مكنونات النفس البشرية كما تتخيلها من خلال خبرتها، وكذلك مهنة حمزة زوجها تم اختيارها بعناية فائقة تتّسق مع رؤيتها، فهو ضابط في جهاز مكافحة المخدرات، وهذه نافذة أخرى تطل على المشهد ذاته، وكان غيابه النهائيّ نتيجة مطاردته لتجّار المخدرات، ومن هنا كان النظر إليه بأنه يتصف بمهارات نافذة لم تدرك أهميته إلا بعد فقده، وكان هذا إحدى ديناميات التغيير في رؤيتها له بعد وفاته؛ أما أبناؤهم (عدنان وراجية ورانية)؛ فاختيار الكاتبة لأسمائهم لم يكن عبثاً، فهي ذات دلالة فعدنان اسم يرتبط بالنعيم وبالنبوة (النبي العدنان) و(جنة عدن) وراجية بالرجاء، ورانية بالنظرة البعيدة ووحدانية الذكر وثنائية الأنثيين فاختيار ذا بعد له علاقة بالميراث ليس المادي فحسب؛ بل ربما كان في درجات أخرى أيضاً، بالإضافة إلى كون عدنان من خلال الرواية يتعلق بحياة الشباب، وما يرتبط بتطلعاتهم وسلوكهم؛ ناهيك عن الشخصيات الأخرى المتمثلة في أقارب عائشة الأدنين ودورهم في حياة الأسرة، فضلاً عما أشرت إليه سابقاً من استغلال الأخ الأكبر لحمزة لعائشة ومحاولة الزواج منها والهيمنة على الأسرة بكاملها، ولكنها ما تلبث أن تعيد النظر في سلوكه وتلتمس له العذر، وأما فيما يتعلق بالمحيط النسائي (هند وبهيجة) وحكايات الكيد والسّحر فتميط اللثام عن الدوافع والطبائع المتعلقة بالمرأة، وأنماط الكائنات الأنثوية، ولعل النموذج الإيجابي المكافئ لعائشة وتضحياتها يتمثل في اختيارها لسعاد أخت حمزة، وهي نموذج لقيم الخير متمثلة في الوفاء والتضحية بعد أن اكتشفت أن زوجها كان يعاني من مرض عضال يطلق عليه اسم (أبو المهند) فصبرت عليه ولم تتخلّ عنه. والأهم من ناحية فنّية أن هذه الحكاية لا تسير منفصلة تمامًا عن المتن؛ فهي تعيد إنتاج السؤال المركزي نفسه، وهو: ماذا يحدث للأسرة عندما تتحول المحبة أو الحاجة إلى الآخر إلى تملك وسيطرة؟ أما الوجه الآخر فيتمثل في (سعدية ولبنى) فالأم وابنتها تمثلان الصورة النقيضة في المشهد الاجتماعي العام، حيث النهاية المأساوية متمثلة في الطلاق والانحراف عن سواء السبيل، فالأم التي تهمل واجباتها، ومعضلة التربية التي تفرز مأساويتها، فسعدية أخت حمزة وأم لبنى التي تفتقد الحضن الحنون فتبحث عنه بطرق أخرى تقودها إلى الضياع؛ فيبرز دور عائشة بوصفها أخصائيّة اجتماعيّة لتصلح ما انحرف وتقوّم ما اعوج بوسائل التربية الصحيحة والخبرة المكتسبة. وثمة شخصيات أخرى رديفة ولكن المجال لا يتسع للحديث عنها. أما من الناحية الجمالية فإن الاسترجاع (فلاش باك) هو قوام السرد؛ وذلك لم يكن عبثاً؛ بل انسجاماً مع ثنائية الحضور والغياب التي تشكّل صُلب البرنامج السردي في الرواية؛ فالغياب هو نقطة الانطلاق؛ ومن الطبيعي أن تستوفى حادثة الغياب بتفاصيلها المشهديّة لتبدأ مساءلة الذاكرة التي تكر راجعة إلى البدايات وصولاً إلى خاتمة المطاف، ها هي تعود إلى البداية التي بدأت بها عملية السرد فتختم بها الرواية مخاطبة الفقيد الراحل: “يا حمزة، إن الله امتحن إيماني بفقدانك، وامتحن صبري بفراقك وامتحن قلبي بحرماني منك، وسأصبر نعم سأصبر، سأصبر طاعة لله، وطمعاً في رضاه وجنته .... إلى قولها: الحمد لله الذي جعلنا مسلمين لنستسلم لحكمه ونستسلم لقضائه وقدره، ونصبر على البلاء والمحن .... الحمد لله الذي جعلنا مسلمين” هذه النهاية خاتمة المطاف التي تضيء منهج الكاتبة في أعمالها الروائية وتجعلها نموذجاً للأدب الإسلامي؛ ليس بالمعنى العقدي فحسب؛ بل من حيث تصور الإسلام للقيم التي تحكم الحياة في التصور الواقعي الإسلامي: فهي رواية ذات رؤية فضاؤها المجتمع البشري وفكرها التصور الشمولي وسياقها الإيمان بالمشيئة الإلهية. أما روايتها الموسومة بـ (رجل من الزمن الآخر) فهي تتويج لرؤيتها الشمولية الأخلاقية التي تقدّم نموذجاً مختلفاً عن المألوف؛ فهي تشكّل بطلها بوصفه نموذجاً مثاليّاً من الناحية السلوكية والأخلاقية، ولأنني قد تجاوزت كثيراً المساحة المتاحة فإنني أعد بقراءة نقدية خاصة لهذه الرواية وللرواية التي صدرت بعدها (الحب دائماً) إن كان في العمر بقية.