لاهوت الذكاء الاصطناعي.

عنوان غريب ولافت؛ وغرابته في جمعه المتناقضات من أقصى الزمان إلى مابعد الزمان، ومن العقيدة الصلبة إلى السيولة الدنيوية، والأغرب أن معبد الذكاء الاصطناعي يجتمع فيه المؤمن والملحد واللاأدري، ويتقرّبون إليه كل يوم بالقرابين الغالية والتافهة دون أن يردَّ أحدًا عن مسألته! لذلك أرى أن تناول هذا الموضوع بات في ظني ضرورة معاصرة لفهمٍ أكثر لحالة الفناء والاتحاد التي نغيب فيها عن ذواتنا ونسير نحو هذا العالم الرقمي بانجذابٍ لا إرادة لنا في إيقافه، فالذكاء الاصطناعي ليس منصة نسألها وتجيب، بل هو أشبه ببقعة سديمية تتوسع في كياناتنا حتى الغيبي منها! وهنا سأعرض بإيجاز: اختراق لاهوت الذكاء الاصطناعي أعمق ما فينا وهو الإيمان، وإلى أين سيأخذنا هذا الشهود الرقمي للآلة؟ مستعرضا بعض هذه الإشكاليات على النحو الآتي: أولا: أشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» إلى أن هذه التقنية قد تتحول إلى (نوع سيليكوني) جديد ينافس البشر، بينما قال موظف سابق في شركة «أنثروبيك» إن هناك احتمالاً كبيراً بأن نهلك جميعاً على يد هذه التقنية، كما يرى جيفري هينتون، الملقب بـ»الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أننا قد نفقد السيطرة عليه تماماً في غضون عام واحد. هذه التحذيرات أو النبوءات التي قد تصيبنا بالهلع؛ ربما تكون مبالغات مقصودة لأغراض سياسية أو تجارية، وقد تكون حقيقية، إلا أنها باتت تتكرر بتعبيرات شبه يقينية أن هناك نموذجًا موازيًا للبشر، وروبوتات تتحدى الإنسان، وتوأمة رقمية تتولى مهام الانسان الطبيعي في كل شؤونه بلا نسيان أو ملل أو تعب أو توقف، حتى أصبحنا نقف مباشرة أمام فكرة نهاية الإنسان والعالم وعودة مسيح مخلص في آخر الزمان، هذه الفكرة الماورائية ليست من خيال رجال الدين في الأديرة والكنائس؛ بل هي الفكرة التي تُروّج في وادي السليكون المقدّس، وتمور بها (عجول سامريّ) الذكاء الاصطناعي، وتؤكدها شراسة التنافس التقني والبيولوجي لإنتاج إنسان (مابعد الإنسان)، وقد ظهرت آثار تلك المنافسة على صناعة الروبوتات الشبيهة بالإنسان، حيث تشير بعض التقارير أن الروبوتات الشبيهة بالبشر التي تم تركيبها عالميًا خلال 2025م بنحو 16 ألف وحدة، استحوذت الصين وحدها على أكثر من 80% من هذه الصناعة، وأن التنافس بين الصين وأمريكا على أشده، رغم اطلاق الكثير من المؤسسات والحكومات في العالم بضرورة التريث في تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق. هذا النمط من التحدي؛ بأن هناك إلهًا رقميًا يسكن في قواعد البيانات وفوق السحاب الالكتروني (Cloud)، آخذٌ في التشكّل في صور فاتنة لإله يعرف كل شيء، ويجيب عن كل شيء، ويتجلّى في كل جهاز حاسوبي، هذا الصنم الرقمي الذي انتجه العلم لم يسمح للمادية الدهرانية أن تبقى في الحياد الالحادي والموقف العلماني من الدين؛ بل صنعَ لاهوتها الداروني الجديد، لتستمر حلقات الباطل بالتجمّل والتزييف للأجيال القادمة، فمنذ نزول آدم على الأرض؛ والشيطان يتوعد الانسان بالغواية المزيّنة، كما قال تعالى يحكي عن إبليس: «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ». ثانيا: الأجيال الرقمية الحالية والقادمة وهي تعيش حمّى الثورات الرقمية الذكية، هل ستنجو من العودة إلى تصنيم الآلة والحاسوب والروبوت؟ إن ما سبق الحديث عنه حول قدرات الذكاء الاصطناعي في الصنع والمعرفة والسلطة المطلقة، قد يثير في أذهاننا سؤال مستقبلي حول إمكانية تلك الأجيال الرقمية على فهم ما يحدث، وأحيانا نستدعي عند حديثنا عن قدرات الألات عددًا من القضايا الكلامية التي ثارت قديمًا بين الاشاعرة والمعتزلة وعلماء السلف حول التحسين والتقبيح العقليين، والسببية وخلق الأفعال والجبر والإرادة، ومدى انطباق العلاقة بينها وبين لاهوت العصر الذكي؟، إنها لاشك نقاشات معزولة عن سياقاتها التاريخية؛ ولكن جوهر المقولات القديمة قد يعاد طرحها من جديد، تزيد عليها جدلية المسؤولية الجنائية، ومفهوم العقل الذكي، وادعاءات الخلق بإحداث جينيوم مطوّر يعيد تعريف الانسان طويل الأجل المزود بقدرات خارقة، متجاوزين نيتشه في مفهومه للإنسان الأعلى. وهذا ما يؤكد وقوع إشكالات كثيرة حول تلك المغيّبات اللاهوتية التي يبشّر بها أنبياء الذكاء الاصطناعي مثل ديفيد تشالمرز وراي كورتزوايل ويوفال نوح هراري وغيرهم، هذه الإشكالات ليس لأنها مرجوحة فكريا وواقعيا، ولكن أهميتها ظهرت في وجود جحافل من عبدة الذكاء الاصطناعي ربما يصدقونها مع مرور الزمن وغياب الحقيقة، فتتحول هذه الفتنة الرقمية إلى عقائد إيمانية؛ معابدها في كل جهاز، وهي سنّة جرت في الأرض منذ القدم، وقد ذكر التاريخ كيف تتحول الخرافات إلى معتقدات دينية، فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يذكر قصة عبادة الاصنام في الجزيرة العربية وأن أصلها منسوب إلى رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم، عُبدتْ. ثالثا: يعيش الكثير من فقهاء الإسلام صدمة التصديق بمنتجات الذكاء الاصطناعي، فالانبهار بمعلوماته وتقنياته بدأت تتسلل إلى القلوب قبل العقول؛ وأصبح الكثير ينادي بالتوسّع في إدخالها في الإفتاء والقضاء والتعليم الديني، وهنا نتساءل ما الحرج في ذلك ؟!، فالمجتهد الفقيه القابع بين كتب التراث، والذي يكثر من الاعتذار بالجهل أو قول (لا أدري) سيحلّ بدلًا منه (الإمام الخوارزمي) الذي يربط بخوارزمياته المنتقاة كل سلاسل الفقه عبر العصور، ويجيب السائلين بلا تلكؤ وتردد وعن كل الأسئلة المنطوقة والمضمرة، وهذا الذي يُعدّ منقبة الذكاء الاصطناعي في حقل الاسلاميات أعدّه من النوازل التي يجب مراجعة عقل هذا الخوارزمي، والتأكد من ماهية البيانات التي يكتنزها حتى اتخمت بها ذاكرته السحابية، وهل سيعتري هذه الذاكرة الرقمية بعض الهلوسات الفقهية التي يمكنها الدخول إلى عقول الكثير من أجيالنا المستعدة للقبول المطلق لما يقوله هذا السيّد الرقمي؟. ختامًا.. تشير الكثير من الدراسات أن الأجيال الرقمية (z) وما بعدها أظهروا ثقة متزايدة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وأنه أصبح الرفيق والمعلم والفقيه والشريك العاطفي، وهذه الحالة لا تجعلنا نقف مكتوفي الايدي نشاهد هذا التسارع الهوياتي والفكري في أجيالنا دون أن نعيد ضبط بوصلة طريق الحقيقة، ونحافظ على العقل الرشيد من الانسياق المغري نحو سيولة الفكر والمعتقد الرقمي، لهذا أرى أن العناية والاهتمام بما جاء بميثاق الرياض للذكاء الاصطناعي في 2024م، وتوصيات المنتدى العالمي الرابع لليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الذي عقد في الرياض في سبتمبر 2026، هو خارطة الطريق لتعزيز الاطار الأخلاقي للذكاء الاصطناعي وحماية البيانات من الاختراقات الهدامة، مع ضرورة بذل الوسع في صيانة العقيدة الإسلامية من كل الغوايات الرقمية، فالأمن المعلوماتي اليوم هو أهم أولويات الأمن الوطني، خصوصا أنه مرتبط بجيل ننتظره يدير شؤوننا في المستقبل القريب، لهذا نقلق ونخاف، والقرآن الكريم قد أشار محذرًا من تضييع الاجيال القادمة؛ كما في قوله تعالى:» فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً»، لذلك نبتهل إلى الله تعالى أن يحفظ أجيالنا الواعدة من أي غيّ يزيّنه لاهوت الذكاء الاصطناعي.