الزيارة الثانية للصين (1)..

من «فرموزا» إلى «جوانزو».. نصف قرن من التحولات.

زرت الصين الوطنية (جزيرة فرموزا) قبل خمسين عاماً ضمن وفد المملكة المشارك في مؤتمر الشباب العالمي من مديري مكاتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب، أذكر منهم الزملاء: أحمد اليحيى مدير مكتب عسير، ومحمد العمار مدير مكتب القصيم، وآخرين، وكنت وقتها أعمل في حائل. استغرقت الجولة في أنحاء الجزيرة نحو عشرين يوماً، زرنا معالمها المبهجة بما فيها ضريح المنشق عن الصين الأم (تشيانغ كاي شيك) الذي دعمته الولايات المتحدة لمناهضة الشيوعية، بينما دعم الاتحاد السوفيتي (ماو تسي تونغ). وكنت حريصاً على زيارة سور الصين العظيم الذي يعد من عجائب الدنيا السبع، ولكني علمت بعدُ أنه يتبع الصين الأم، وبينهما خرط القتاد. قابلت بعد خمس وعشرين سنة الدكتور محمد بن عبد الرحمن البشر وكان وقتها سفيراً للمملكة في المغرب، وعرفت منه أنه كان سفيراً للمملكة في الصين، وقد أهداني كتابه المهم (حضارة الصين) ط1، 9 / 11 / 1424 هـ الموافق لـ 1 / 1 / 2004 م، الناشر دار الهلال الأزرق بهونغ كونغ، طبع في جمهورية الصين الشعبية، بـ 347 صفحة من الحجم الكبير، وقد استعرض السكان والقوميات والأديان والمعتقدات، والطب والعلاج الصيني التقليدي، والتغذية الصينية، وموجز تاريخ الصين منذ ثماني مئة ألف سنة؛ مجتمع بدائي وعشائري، وتطور إلى عهد الأسر والممالك المتحاربة، فالإمبراطوريات المتعاقبة حتى العصر الحديث، ثم تحدث من داخل قصور الأباطرة؛ المحظيات، المخصيون، ومن حكمهم من النساء مع الصور، وقد عرضت الكتاب بمقال بملحق جريدة المدينة (الأربعاء) في 10 / 9 / 1426 هـ. لعلي أعود مرة أخرى لهذا الكتاب المهم، ولكني سأقفز لزيارتي الأخيرة لمقاطعة (جوانزو) وهي تعد في ترتيب مدن الصين السابعة من حيث المساحة والسكان، وتتبعها عدد من المدن، وهي مشهورة بالمصانع والمعامل، ويسكن المدينة نحو عشرين مليوناً من السكان، أما المنطقة أو المقاطعة فهي تضم نحو ثلاث مئة مليون. دعاني للزيارة الصديقان أحمد ومحمد السماعيل، وهما ممن يترددون على زيارتها للتجارة، وهما بالمناسبة ممن يعملون في التطوير العقاري وبناء المساكن والاستثمار بالفنادق وغيرها. وكان حديثهما عن الصين مغرياً والحياة بها ميسورة وهادئة لولا بعد المسافة وثماني ساعات من الطيران المتواصل، وقالا إن مدة زيارتهما تتطلب 19 يوماً، وافقت، وبعد أيام انضم لهما صديقهما الأستاذ عبد الله العامر مما تطلب الأمر تمديداً للزيارة لعشرة أيام أخرى. وضعنا برنامجاً لزيارات الأماكن المهمة، تتخلل أوقات إنهاء أعمالهما مع مكاتب التصدير والخدمات التجارية، وزيارة بعض المصانع والمعارض، زرنا الحديقة التي تقع بالقرب من السكن، وبها يتجمع عدد كبير من المواطنين من الطفل إلى الشيخ نساء ورجالاً، يزاولون من الصباح الباكر الرياضة الفردية والجماعية، أو تدريب الأطفال على الحبو والمشي واللعب واللهو بحفر الأرض وبناء الحيطان من التراب وغيرها، ومنهم الذي يرسم أو يعزف بآلة موسيقية وغيرها، وأهم ما في الحديقة تماثيل وصور لبعض أعلام ورموز الوطن وتحريره من الاستعمار، وقد لفت نظري أحدهم فأخذت صورة بجانبه وكتبت تحتها اسمه ومختصراً لما اشتهر به وهو « (لين زيكو 1785 – 1850) خلال حرب الأفيون، دعا إلى حظر الأفيون، وقد قاد حملة في شاطئ لو نغمن، دمر خلالها 19179 صندوقاً، و2119 كيساً من الأفيون بإجمالي 2,376.254 كاتي (نحو 1,426 طنًا) في غضون 20 يوماً، قاوم ببسالة عدوان الجيش البريطاني خلال حرب الأفيون.. وهو بطل من أبطال الأمة الصينية. زرنا أسواقاً كبرى متخصصة لكل لون ونوع من المصنوعات والمنتجات مثل: الأدوات الكهربائية من حواسيب وهواتف ومستلزماتها وإصلاحها، ومن أدوات صحية، ومن ملابس، ومن صناعات جلدية، ومن الأدوات الإلكترونية. زرنا مدينة سنزن التي تبعد عن جوانزو بنحو 300 كم وهي مشهورة بالصناعات الإلكترونية، وطوال هذه المسافة نسير على كباري وداخل أنفاق. وزرنا مدينة كولون التي تبعد بحوالي 150 كم وبها شلالات وصور لحيوانات، رأينا مواقف السيارات بجوار سوق الملابس المركزي، المواقف على الشارع العام من سبعة طوابق، يترك صاحب السيارة سيارته في المدخل ويسلم مفتاحها للعامل الذي يعطيه رقم مكانها، فترفع بجهاز آلي إلى حيث تقف، وعند عودة صاحبها يسلم الرقم فيضغط على زر فيحضر السيارة خلال دقائق، كما زرنا برج جوانزو وعلى ارتفاع 668 متراً رأينا المدينة بجميع معالمها مع الغروب، قضينا وقتاً جميلاً في جولة ليلية بالباخرة وسط نهر على شاطئ اللؤلؤة، كما زرنا قهوة نخلة (كافيه) تملكها كما سمعت سيدة سعودية تعد القهوة والشاي والتمر وخبز الصاج والمراصيع، وللأسف لم نجد المسؤولة فاتصلنا بالهاتف فرد علينا أحدهم بأنها خارج الصين وستعود بعد مغادرتنا الصين. قضينا يوماً جميلاً في منتجع (نيوبلنس) مع المساج والسباحة والعشاء...إلخ. لاحظنا وجود صور وتماثيل لأهم العلماء والفنانين والقادة، لاحظنا صورة موحد الصين (ماو تسي تونغ) على كل فئات العملات لوحده. الفندق الذي نزلنا به وسط المدينة وقريباً من الأسواق والمكاتب التي تقدم الخدمات التجارية، يفاجئك بمدخله ثلاث لافتات: لا للمخدرات، لا للقمار، لا للدعارة، أسعار معتدلة وتعامل لطيف وتوفير جميع مستلزمات السكن من تلفزيون وثلاجة وآلة طبخ وصنع الشاي الصيني والماء وجميع ما يحتاجه النزيل. لاحظت وجود جاليات عربية ملفتة أولهم اليمنيون والأردنيون والسوريون واللبنانيون والأتراك والفلسطينيون وغيرهم، ووجود مقاهٍ يمنية أحدها يحمل اسم (عدن) يقدم الشيش والشاي، وكان يقدم القات الذي يستورد من إثيوبيا من قبل ولكنه في الفترة الأخيرة منع لتصنيفه من المخدرات. هناك مطاعم عربية وتركية ولبنانية وأردنية مثل سقطرى، وزيتونة وغيرها، المكتب الذي يسهل الخدمات لأصدقائي (نوسدوا) للتجارة العامة، يديره علي السلفي اليافعي ابن اليمن الذي أمضى سنوات بالمملكة ثم ذهب للصين لمساعدة أحد معارفه منذ خمس عشرة سنة وما زال يخلص ويقدم الخدمات التجارية والتخليص للمملكة والخليج العربي وهناك مكاتب أخرى لسعوديين. هناك أمور أخرى يجدر الحديث عنها ومنها المساجد وصلاة الجمعة بجامع سعيد بن أبي وقاص وزيارة القنصل السعودي وصلاة الجمعة معه في القنصلية السعودية، سنعود لها بالتفصيل. وزيارة المكتبة العامة بكوانزو وعدم وجود الكتاب العربي وغيرها مثل متحف الفنون التشكيلية، وحديقة الحيوان والجولة بين الحيوانات المفترسة بالقطار وبـ (التلفريك). وعند وداعنا صباح السبت 19 / 9 / 2026 م دوت صفارات الإنذار لأول مرة وعلى مدى ساعتين، وعند سؤالنا قالوا للتجربة.