قراءة في رواية عبد العزيز الصقعبي (بركات العالق في الخيال)..

نزعة التجريب، وازدواجية الشخصية، وتقنية المونتاج السينمائي، وتعدد الأصوات واللغات.

العتبة الأولى التي تقودنا إلى عالم الرواية ورؤيا كاتبها تكمن فيما استهل به الكاتب روايته في بيتين مقتبسين للمتصوف الشهير الحلاج: “عجبت لكلي كيف يحمله بعضي، ومن ثقل بعضي ليس تحملني أرضي. لئن كان في بسط من الأرض مضجع، فقلبي على بسطك من الخلق في قبض”. والكاتب إذ يستهل بهما الرواية يضيء رؤيته عبر عدسته الكاشفة؛ فالحسين بن منصور الحلاج المتصوف الشهير الذي احتل مكانة مرموقة في الدراسات الأدبية والفلسفية، والأعمال الإبداعية؛ ولعل أشهرها المسرحية الشعرية التي ألفها الشاعر صلاح عبد الصبور، وقد أتيح لي حضور عرضها في دار الأوبرا المصرية أيام أن كنت طالباً، وفي هذين البيتين يعبر الحلاج عن رؤية روحية تغوص إلى عمق التجربة الصوفية التي مر بها، وتتمثل في مفارقة وجودية بالغة الدلالة تمثل أعمق تجارب التصوف، وهي المفارقة الناجمة عن التضاد بين ضآلة الجسد واتساع الفضاء الروحي وحراكها الذي يحلق في آفاق الكون وسكون الجسم المادي؛ فالإنسان -كما جاء على لسان محمد قطب- قبضة من طين الأرض ونفخة من روح السماء، فشتان بين الحقيقة الإلهية والمحدودية البشرية. وليس من شك أن هذا المفتتح يمثل عتبة الرؤية، وربما كان من الأدق أن نقول (الرؤيا) لتنسجم مع النزعة الفلسفية الروحية في الرواية التي تتغلغل عميقاً في معنى الوجود الإنساني وتجلياته، فهذا الكائن المحدود بحدوده الحسية الجسدية ينطوي على عوالم أخرى تنبثق من هذا الكائن المحدود حسياً، واللامحدود بتخوم الجسد؛ بل ينفرج في فضائه الكوني وتصوراته الواسعة، وهذا لب اللباب وحقيقة الحقائق. ولعل اختياره لاسم البطل (بركات) يومئ إلى البعد الروحي الذي يتمثله في هذه الرواية، فهو من البركة، واستعماله لكلمة العالق ينم عن التوحد والفناء وهما تعبيران صوفيان؛ وأما الخيال فهو الفضاء الحر الذي يتيح للشخصية الحركة النشطة والتجوال والتأمل بلا حدود، وربما انطوى ذلك على موقف الكاتب، فالعنوان في حد ذاته -دون مبالغة في التأويل- يؤشر إلى موقف الكاتب وفلسفته، ويتيح له الحركة الحرة في تشكيل عوالمه الروائية. ولعل عبارته (لدي إحساس أني أكثر من شخص) واختياره للعدد خمسة ممن ينتظرون مع السارد المشارك (بركات) يومئ إلى التعددية التي أرادها إطاراً لكينونته الوجودية، والعدد خمسة له دلالته التي لا تخفى على أحد، ثم انتقاله المفاجئ من الانتظار للمقابلة إلى ترؤسه للمؤسسة كلها على نحو مفاجئ له دلالته بلا أدنى شك، ومهد بالاحتراق (احتراق المدير العام أمام ناظريه) الذي يعني الفناء التام كما رأى عليه المدير العام السابق، يومئ إلى التحول المفاجئ الدراماتيكي؛ حيث تنقلب الأحوال والمآلات. والسؤال الذي يطرحه المشهد الأول الذي ينبني على مفاجأة تبدو أقرب إلى الفانتازيا، فاحتراق المدير العام ومنظره وهو يحترق أمام السارد يحمل نبوءة المصير الذي ينتظره؛ والمفارقة الوجودية تكمن في تعاقب المصائر ومفاجآت الأيام واختلال الرؤى؛ فمحاولته تجاوز الوضع الذي كان عليه، وحمله إلى موقع لم يكن يحلم فيه، وفي ذات الوقت إبصاره نهاية من سبقه تضعنا أمام لغز وجودي صادم يبعث على التأمل والتفكير، وربما انزلق إلى اللامعقول والعبث، وعجز الإنسان عن تحديد مصيره فهو على كف القدر. ولعل انغماسه في الوصف لشكل الغرفة وتفاصيل المكان وتأملات بركات للوحة وانشغاله بهوامش المهمة التي جاء من أجلها والمحيط المكاني له دلالته كما جاء في قوله: “على المدخل -بالطبع أعني المدخل الذي يفضي إلى الممر- توجد طاولة مرتفعة قليلاً عليها قنينة معقم، وعلبة فيها مجموعة من الكمامات وعلبة مناديل، بمجرد وصولنا للغرفة وجلوسنا أزلنا الكمامات”. وهذا يشير إلى وباء كورونا الذي شكل مأزقاً وطنياً وإنسانياً له دلالته فهو يضاعف الشعور بالأزمة التي يعاني منها بطل الرواية (بركات). تبدأ الحكاية من موقف يبدو مألوفاً؛ إذ يتقدم بركات للحصول على وظيفة في إحدى الشركات، وينتظر مع مجموعة من المتقدمين إجراء المقابلة؛ لكن المشهد يتخذ منحى غرائبياً حين يدخل إلى مكتب المدير العام، ويشهد احتراق المدير أمام عينيه بطريقة غير واقعية، يمثل هذا المشهد بداية اضطراب الحدود بين ما يراه بركات واقعاً وما يمكن أن يحدث في الخيال مستقبلاً، ليفتح الباب أمام سلسلة من التحولات التي تجعل الشخصية تعيش أكثر من مصير في الوقت نفسه. ولعل النقلة التي عصفت بوعيه وارتدت به إلى سراديب الداخل جعلته يصطدم بحقائق نفسية ربما كانت منزوية في لاوعيه، فجعلته أمام مساءلة الذات التي صدمتها المفاجأة وجعلتها أمام حقائق صادمة تدخرها النفس، ما جعل الرواية تنتقل من مستواها الواقعي إلى دهاليز الداخل وتصوراتها، ووضعتها أمام مفاجأة لم تكن لتخطر في بالها؛ وتجلى لها الموقف كله في مشهد الاحتراق الذي تم أمام عينيه للمدير السابق الذي حل محله، وكأنه ينبئه بالمصير القادم. وهنا يتقرى الكاتب ملامح التغير المفاجئ الذي طرأ على بركات وأسرته في مستوى اجتماعي ووظيفي آخر، وفي هذه الحالة يظهر البعد الاجتماعي في رؤية الكاتب، وعبر التقاطع بين البعدين يتمثل الحراك الاقتصادي في أبعاده الاجتماعية والنفسية. وتبدو النزعة التجريبية التي تتجاوز المألوف في الرواية الواقعية فتقود القارئ إلى مستوى من الوعي أعمق وأكثر تعقيداً، ولا يخفى على المتلقي أن الكاتب يبحر في لجة التحولات المفاجئة التي حدثت نتيجة ما عرف بمرحلة الطفرة، حيث المتغير الاقتصادي الذي داهم البنية الاجتماعية المستقرة وترك أثره في الوعي الفردي والجمعي، وربما كان الكاتب يقرأ التحولات التي داهمت المجتمع ببصيرة ثاقبة ووعي يقظ، فيتجلى الأثر النفسي والاجتماعي بوصفهما نتاجاً للتحول الاقتصادي المفاجئ. اللافت في الفصل الأول من الرواية تركيز الكاتب على الساعة المعلقة على الحائط وما يفضي به ذلك إلى نزعته المتعلقة بالاهتمام بالزمن، وهو أحد المحاور المهمة في تشكيل الرؤية؛ حيث التحولات المباغتة في فترات زمنية متقاربة من المفارقة بين زمن الانتظار وبطئه والسرعة المباغتة في الانتقال من مستوى الطالب إلى المطلوب، ومن الساعي إلى من يسعى إليه، وأثر هذه المفارقة في التحولات الاجتماعية والنفسية والرمز إلى لون من ألوان العبث في مشهد احتراق المدير العام السابق وما تحمله من نبوءة وما ينعكس في نفس بركات من أثر: “في الحائط الذي يقابلني وبين البابين توجد ساعة حائط، أنا تهمني جداً دقة الوقت، أضع حول معصمي الأيسر ساعة، وحين أغادر البيت دونها أشعر أن يدي ليست طبيعية”. ثم يقول في مقاربة نقيضة: “على الرغم من أنني أجلس ساعات دون أن أتأكد من الوقت بالنظر إليها” ص10. ويتردد ذكر الساعة على مدى صفحات قبل أن تأتي المفاجأة التي تمحو الفروق الزمنية من فضاء الوقائع، ولعل الملمح الذي أشار فيه إلى عدم اهتمام بركات بما حدث للمدير العام قبله ما يشير إلى رؤية نقدية تومئ إلى عدم الوعي بالوقائع. وفي إشارة رامزة التي سوغت ارتقاءه إلى مستوى المدير العام أنه احتفظ بالورقة دون أن يتغير لونها، والورقة هذه محور مهم من محاور الرواية لها دلالتها؛ فقد اختير مديراً عاماً لأنه لم يكتب عليها شيئاً؛ وهنا تتراءى لنا آفاق تأويلية متعددة، فهي من جهة تدل على النقاء والبراءة من الفساد؛ وتدل من ناحية أخرى على عدم التغيير والسكونية التي هي سمة الإدارة الانتهازية، وأن مثل هؤلاء الذين يحملون هذه الورقة البيضاء بما ترمز إليه السكونية وعدم التحرك نحو التغيير، وهنا ينفتح الأفق أمام ما يضطرب به عالم الإدارة التي أصبح مديراً لها من ألوان الفساد؛ فحياته المزدوجة بين عالمين عاش فيهما بانتمائه الطبقي الاجتماعي واستكشافه لما يتفاعل فيهما من علاقات جعلته في واقع الأمر يعيش في بيت متواضع في حي الروابي، ويجد نفسه في الحياة الثانية التي يعيشها في فيلا فاخرة يحفه فيها الخدم والحشم، وفي كل حياة منهما يسلط الضوء على الثقافة الكامنة في السلوك الاجتماعي بما تنطوي عليه من ملامح فساد يتعلق بالمحسوبية التي تتعالى على الكفاءة، فضلاً عما تمت الإشارة إليه من فساد يتصل بالمحسوبية في اختيار مقر الشركة التي تعود ملكيتها لأحد أقارب المدير، كما ورد في صفحة 189 وأشار إليها صالح السهيمي في دراسة له. ولست مع التأويل الساذج لحادثة التعيين المفاجئ لبركات مديراً عاماً بأنها مجرد إشارة إلى عشوائية الاختيار فحسب؛ بل هي أعمق من ذلك كما أشرت؛ فثمة مؤشرات ثلاثة: الورقة البيضاء، والاحتراق، والمفاجأة في التعيين؛ وقد سبق أن أشرت إلى دلالاتها الرمزية، وثمة الكثير من الوقائع التي تصور ملامح الفساد من خلال تقاطع المشاهد التي يظهر فيها بركات بوصفه موظفاً والأخرى التي يتبوأ فيها مكانة المدير العام، وهي تبدو أقرب إلى الصورة المضاعفة في السينما أو ما يعرف بالمونتاج المتوازي، أو بالازدواج الدرامي. وهنا تتبدى رؤية الكاتب عبر الإحاطة بالفروقات التي تميز كل موقف أو شخصية عن الأخرى، وفي اعتقادي أن الكاتب ينحو منحى انتقادياً يذكر بالاتجاه الواقعي الانتقادي في الرواية الواقعية؛ ولكنه في الحقيقة يتجاوز ذلك إلى رؤية فلسفية عميقة تتسع فيها آفاق التأويل وتمضي نحو إشكالية تتعلق بأزمة الهوية واضطراب مفاهيمها القيمية، وضياعها بين العلاقات السائدة بما تنطوي عليه من مبدأ ميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) والانضباط الأخلاقي والمفهوم النفسي حيث المسافة الفاصلة بين المرغوب والمتحقق وما يدور في لاوعي الشخصية حيث تجليات المشهد الفانتازي الذي يكسر قوانين الواقع ويحلق في الخيال، وتتسع الدائرة لتشمل التمركز الذاتي والمحيط الاجتماعي وتفاعلهما وجدلية العلاقة بينهما. ولكننا في كل الأحوال ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار رؤية الكاتب نفسه لعمله؛ فقد صرح عبد العزيز الصقعبي -بما يمكن الاطمئنان إليه- في وصفه روايته بأنها تنتظم (وفق رؤيتي الخاصة) في الاتجاه العريض للرواية العربية (الواقعية الانتقادية) إذ يشير إلى أن روايته هذه حصيلة تجربته الخاصة التي كشفت ألواناً من الفساد (وهذا التعبير من عندي) ذات الصلة بالعلاقات الشخصية والمحسوبية والقرارات الخاطئة والاجتهادات العشوائية المؤدية إلى الفساد، وأنه أراد تصوير معاناة الموظف المثالي في هذه البيئة من خلال الخيال والعجائبية، كما ورد في صحيفة عكاظ بتاريخ 7 نوفمبر 2025، ضمن تقرير صحفي بعنوان (روائيون يتحررون من ثقل الروح بالكتابة، أعده الدكتور علي الرباعي وعلي فايع). وكثير من المشاهد التي أشارت إلى هذا النمط من الانتقادات الخاصة بانحراف الإدارات طبقاً للرغبات الشخصية واستغلال النفوذ كما تتضح في الرواية. أما الظواهر الجمالية في الرواية فتتمثل في: بنية الرواية السردية في الأساس الذي بنيت عليه الرواية من حيث ازدواجية الواقع والخيال والمشهد المعقول والفانتازي الذي كان نتيجة تمحور الرواية على المشاهد المتداخلة، ممثلة لكون البطل موظفاً ومديراً عاماً وأديباً، وهذا أدى بالضرورة إلى توليد الدهشة لدى المتلقي لاستحالة الجمع بين هذه المسارات في شخصية واحدة؛ مما اقتضى الاتكاء على تقنيات تحمل ملامح النزعة التجريبية التي قوامها المفاجأة الصادمة والتحليق في آفاق الخيال، وتوظيف المفارقة التي تجمع بين المتناقضات، وهي جوهر الفن في إطار مفهوم الانزياح بعيداً عن خطية السرد زمنياً وسببياً وحرية التردد بين الأماكن والأزمنة والاسترجاع والاستشراف. أما فيما يتعلق بالبوليفونية (تعدد الأصوات) فهذه التقنية بارزة في تداخل الأصوات الثلاثة التي تبدو في حيوات بركات كما أراد لها الكاتب: صوت بركات الموظف والمدير العام والأديب الذي يعمد إلى كتابة سيرته الذاتية، والشخصيات الثانوية التي عايش أصحابها. أما فيما يتعلق بما اصطلح على تسميته بتعدد اللغات ويعني الأسلوب اللغوي ومفرداته وقاموسه الذي تستخدمه فئات اجتماعية أو مهنية ويميزها عن الفئات الأخرى فقد جمع فيها بين مفردات الإدارة ومصطلحاتها، والألفاظ المتداولة في الأسرة وفي المحيط الاجتماعي وما يرقى إلى مستوى اللغة الأدبية فيما يتعلق بالسيرة الذاتية. والرواية تستحق دراسة أوسع وأعمق.