برنامج دارة الملك عبدالعزيز لنشر الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد:
مشروع وطني لتوثيق إرث المؤرخين السعوديين.
يستهدف «برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد»، الذي دشنته دارة الملك عبدالعزيز مساء أمس الأربعاء برعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز، جمع الإنتاج المعرفي لعدد من المؤرخين السعوديين، وتحقيقه وتوثيقه ونشره وفق منهج علمي يقوم على استقصاء المصادر، والبحث عن النسخ المتاحة، ومعالجة النصوص ومراجعتها، وصولًا إلى تقديمها للباحثين والمهتمين في إصدارات علمية موثوقة ويحمل المشروع تصورًا يتجاوز التعامل مع الكتاب التاريخي بوصفه عملًا مستقلًا؛ إذ يتجه إلى استعادة مجموع ما خلّفه صاحبه من مؤلفات مطبوعة ومخطوطة، ووثائق ومقالات ومراسلات ذات قيمة، بما يتيح النظر إلى إنتاج المؤرخ في سياقه الأشمل، والتعرف على العلاقات بين أعماله المختلفة، واستكشاف جوانب من نشاطه الفكري والعلمي قد لا تظهر من خلال مؤلفاته المعروفة وحدها. وتنبع أهمية هذا التوجه من طبيعة المادة التي تركها الرواد؛ فالمؤرخ قد يخصص مؤلفًا لسرد الأحداث، ويحتفظ في أوراق أخرى بنقول أو تعليقات أو وثائق تتصل بما يدرسه، وقد تتضمن مراسلاته إشارات تفيد في فهم اهتماماته وصلاته العلمية. ومن شأن جمع هذه المواد وتحقيقها أن يفتح أمام الدارسين مسارات أوسع للنظر في النصوص ومقارنتها وتحليلها، وأن يوفر مادة تساعد على تكوين صورة أكثر اكتمالًا عن التجربة العلمية لصاحبها. ويمثل البرنامج امتدادًا لتجارب دارة الملك عبدالعزيز في جمع أعمال المؤرخين السعوديين وتحقيقها، وفي مقدمتها مشروع الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى، الذي يشكل نموذجًا راسخًا في هذا المجال، استنادًا على خبرة مؤسسية في التعامل مع المصادر الأصيلة، تتجدد من خلال إطار يستهدف عددًا من المؤرخين، ويضع لإنتاجهم مسارًا علميًا يبدأ من الحصر والجمع وينتهي بالنشر والإتاحة. من تعدد المصادر إلى وحدة العمل العلمي تتجلى شمولية المشروع في تنوع المواد التي يسعى إلى جمعها، إذ تشمل المؤلفات، والمقالات والمواد الصحفية، والوثائق، والمواد المجمعة أو المختارة، إضافة إلى التملكات والتقييدات، وهي أصناف تعكس تنوع الأشكال التي يمكن أن يصل من خلالها إنتاج المؤرخ وآثاره العلمية إلى الأجيال اللاحقة. ويكشف إدراج التملكات والتقييدات ضمن نطاق العمل عن اتساع مفهوم المادة المستهدفة؛ فهذه الآثار الكتابية قد تسهم في التعرف على جوانب من تداول الكتب وصلتها بأصحابها، بينما تتيح المجموعات المختارة والنقول الوقوف على مواد اهتم المؤرخ بتدوينها أو الاحتفاظ بها، وتكتسب هذه الأصناف أهمية بحثية حين تُدرس في إطار مجموع الأعمال، مع مراعاة طبيعتها والتمييز بينها وبين المؤلفات التي أنشأها المؤرخ بنفسه. ويقوم تنفيذ المشروع على مسار علمي متكامل يتألف من ست مراحل مترابطة، تبدأ بحصر أعمال المؤرخ المستهدف وفرزها، سواء أكانت مخطوطة أم مطبوعة، وبناء قائمة شاملة تمثل الأساس العلمي للعمل، وهذه الخطوة تكتسب أهميتها من كونها تحدد نطاق الإنتاج المعروف، وتساعد على تنظيم المواد وتصنيفها قبل الانتقال إلى معالجتها. وتلي ذلك مرحلة جمع المصادر، من خلال استقصاء النسخ المتاحة في المكتبات والجهات العلمية والمجموعات الخاصة، بما يوفر المادة اللازمة للمقابلة والدراسة، ويمتد البحث عن النسخ، وفق الأدوار المحددة للمشاركين، إلى المكتبات داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، مع إمكان الاستفادة من مجموعات أخرى عند الحاجة، وعرض ما يُجمع على اللجنة المختصة. أما المرحلة الثالثة فتُعنى بتفريغ النصوص، وتحويل مادتها المخطوطة إلى نصوص قابلة للمعالجة العلمية، تمهيدًا لإخضاعها للتحقيق والتعليق، وفي هذه المرحلة تبدأ عملية التعامل التفصيلي مع النص، من خلال مقابلة النسخ وضبط عباراته والتحقق من صحة محتواه وفق منهج معتمد، مع إضافة التعليقات والإيضاحات اللازمة. ويمثل التحقيق العلمي إحدى أهم حلقات المشروع، بالنظر إلى ما تتطلبه النصوص القديمة من دقة في القراءة والموازنة بين النسخ وتوثيق المعلومات، فضلًا عن ضرورة المحافظة على أصالة المادة التي يجري إعدادها للنشر، ولذلك تخضع الأعمال بعد إنجاز التحقيق إلى مراجعة علمية يجريها مختصون للتأكد من سلامة العمل، قبل الانتقال إلى إخراجه وطباعته وإتاحته للباحثين والمهتمين. وتوضح هذه المراحل أن الوصول إلى الإصدار النهائي يمر بسلسلة من الإجراءات المترابطة، تتكامل فيها مهام الباحثين والمحققين والمراجعين، وصولًا إلى إنتاج مادة علمية يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها في الدراسات والبحوث. ولا تنفصل هذه المنهجية عن الضوابط المنظمة لمشاركة الباحثين؛ إذ يشترط المشروع الالتزام بالدقة والموضوعية، وتوثيق المصادر المستخدمة في التحقيق والتعليق، والمحافظة على سرية المواد والوثائق قبل نشرها، واحترام حقوق الملكية الفكرية، كما يؤكد اعتماد الجهد العلمي البشري في تنفيذ أعمال التحقيق، وعدم الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد نصوص المراجع، مع التقيد بالسياسات التي تقررها الدارة في هذا الشأن. ويعتمد تنفيذ الأعمال كذلك على التعاون بين الباحث المشارك والدارة ولجنة المشروع وإدارته، من خلال متابعة المراحل، وتقديم التقارير المرحلية، والاستجابة للملاحظات العلمية، وإجراء التعديلات المطلوبة قبل الاعتماد والنشر، وتؤسس هذه الالتزامات لإطار عمل يوازن بين الجهد البحثي الفردي ومتطلبات المراجعة والإشراف المؤسسي. مؤرخون متعددون وإنتاج يتجاوز الكتب المعروفة تضم قائمة النماذج المستهدفة في البرنامج أسماء بارزة في التدوين والتأليف، من بينها عثمان بن بشر، ومقبل الذكير، وخالد الفرج، وابن لعبون، ومحمد الفاخري، إلى جانب شخصيات أخرى، وتكشف الأعمال المدرجة تحت هذه الأسماء عن اختلاف طبيعة إنتاجهم وتعدد الموضوعات التي تناولتها مؤلفاتهم وأوراقهم. ويحضر المؤرخ عثمان بن بشر ضمن هذه القائمة بكتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد»، إلى جانب أعمال أخرى، منها «سهيل فيما جاء في ذكر الخيل»، و»فهرس ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب»، ومواد تتصل بموضوعات معرفية متنوعة، ويعكس هذا التنوع أهمية جمع أعمال المؤرخ في إطار واحد يتيح للباحث التعرف على مجالات تأليفه واهتماماته المختلفة، ويشكل «عنوان المجد في تاريخ نجد» محورًا مهمًا في هذا المسار، بوصفه أحد الأعمال التي يستهدفها المشروع، وفرصة لإبراز ما يعنيه تقديم نص مؤرخ رائد ضمن رؤية تتعامل مع إنتاجه العلمي في مجموعه. وتتمثل القيمة المنهجية لهذا التوجه في إمكان دراسة الكتاب إلى جانب ما يتوافر من أعمال أخرى لصاحبه، بما يوسع نطاق البحث في تجربته العلمية ومصادره وموضوعاته. أما مقبل الذكير فتتضمن الأعمال المستهدفة له «مطالع السعود في تاريخ نجد وآل سعود»، و»طوق الحمامة في أخبار اليمامة»، إضافة إلى مجموعة من الوثائق، بما يعكس امتداد نطاق المشروع إلى المواد المرتبطة بالتأليف والتدوين، وإمكان الإفادة منها عند دراسة مجمل إنتاج المؤرخ. وفي نموذج آخر تتضح سعة المادة المستهدفة من أعمال خالد الفرج؛ إذ تشتمل القائمة على «الخبر والعيان في تاريخ نجد»، وأجزاء من ديوانه، و»عبقر»، و»دفتر الأملاك»، ونُقُول تاريخية وأنساب، إلى جانب مجموعة من الوثائق التي تتضمن مراسلات شخصية وإدارية ومذكرات وكشوفًا وقوائم ومطبوعات متنوعة. ويقدم هذا النموذج تصورًا ملموسًا لشمولية المشروع، فتنوع المواد بين التأليف والتدوين الأدبي والوثائق والمراسلات يتيح للدارسين النظر إلى إنتاج صاحبه من زوايا متعددة، ودراسة ما يتصل به من موضوعات وسياقات تتجاوز نطاق الكتاب التاريخي الواحد. ويمتد هذا التنوع إلى ابن لعبون، الذي تشمل الأعمال المدرجة باسمه «بدء الخليقة وتاريخ أبناء آدم»، و»التاريخ السعودي»، و»أنساب العرب وتقسيماتها»، إلى جانب الوثائق والنقول المتعلقة بموضوعات مختلفة، كما تضم قائمة محمد الفاخري «تاريخ الفاخري»، و»مختصر حياة الحيوان للدميري»، وتعليقات فقهية، ورسالة تتصل ببعض الحوادث، ونقولًا متعددة من مصادر علمية أخرى. وتشير هذه النماذج إلى أن الأعمال الكاملة لا تتخذ شكلًا واحدًا لدى جميع المؤرخين؛ فلكل شخصية طبيعة إنتاجها ومجالاتها وموادها المتاحة، وهو ما يمنح عملية الجمع والتحقيق خصوصية تتصل بطبيعة المصادر ومضمونها. ومن هنا تبرز أهمية بناء قوائم علمية دقيقة لكل مؤرخ، تمهد لدراسة ما خلّفه وتصنيفه وإخضاعه للإجراءات المناسبة. قاعدة بيانات وطنية يتجاوز الأثر المستهدف للمشروع حدود إصدار الكتب؛ إذ تتضمن أهدافه بناء قاعدة بيانات وطنية للأعمال التاريخية السعودية، وإتاحة النتاج العلمي المحقق في صيغ مطبوعة ورقمية، إلى جانب الإسهام في حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز الهوية التاريخية للمملكة العربية السعودية. وتشمل المخرجات المتوقعة كتبًا محققة، وتعليقات على وثائق أو مخطوطات، وقواعد بيانات، وموقعًا إلكترونيًا أو صفحة خاصة بالمشروع، وتكشف هذه المخرجات عن توجه يجمع بين النشر العلمي وتنظيم المعرفة وإتاحة الوصول إليها، بما يوسع مجالات الاستفادة من النتائج لدى الباحثين والمهتمين. وتكتسب إتاحة النتاج المحقق في صيغ رقمية ومطبوعة أهمية خاصة في توسيع دائرة المستفيدين، وتيسير الوصول إلى المواد التي تُنجز ضمن المشروع، فيما تمثل قواعد البيانات المستهدفة جانبًا من الجهود الرامية إلى تنظيم المعلومات عن الأعمال التاريخية السعودية وحفظها بصورة منهجية. وتحضر الشراكة البحثية بوصفها أحد أهداف هذا التوجه، من خلال تفعيل التعاون مع الباحثين وطلاب الدراسات العليا والمؤسسات الأكاديمية، وإشراك المختصين في اختيار الأعمال وجمع نسخها وتحقيقها وتوثيقها، بما يسهم في تكامل الخبرات وتعدد مسارات العمل. ومن شأن هذا البناء أن يتيح للباحث التعامل مع المادة التاريخية في صورة أكثر تنظيمًا، وأن يوفر أساسًا لدراسات تتناول المؤرخين وأعمالهم ومصادرهم ومناهجهم، مع إمكان المقارنة بين النصوص والنظر في العلاقات العلمية والمعرفية التي تكشف عنها مجموعات الوثائق والمراسلات والنقول. وفي المحصلة، يعكس «برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد» توجهًا علميًا لإعادة جمع ما تفرق من إنتاج المؤرخين السعوديين، وإخضاعه للدراسة والتحقيق، وتقديمه بصورة تحفظ أصالة مصادره وتيسر الإفادة منه. وبين مخطوطة يجري استقصاء نسخها، ووثيقة تُدرس وتوثق، وعمل يعاد تحقيق نصه، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى توسيع معرفتنا بالمؤرخين الذين دوّنوا تاريخ هذه البلاد، وإبقاء نتاجهم حاضرًا في البحث العلمي، بما يحمله من قيمة معرفية للأجيال الحاضرة والمقبلة.