ما نودّ بقاءه.
هناك لحظات لا تريد لها أن تنتهي: جلسة مع أحباء، وقراءة في كتاب تريد، لشدة ما تستمتع به، أن تتعثر بك حروفه حتى لا تنتهي فصوله، وكذلك فيلم يصل إلى نهايته وتبقى مخطوفًا بحواراته ومشاهده أمام الشاشة، حتى مع موسيقى النهاية. عشنا ذلك الشعور حين كنا نركض وراء الكرة في ملاعبنا الترابية؛ المرمى مجرد حصاتين، والحكم أي شخص، غالبًا ما يكون أكبر منا سنًا. ألوان فنايل اللاعبين: أزرق، أحمر، أصفر، أسود، أبيض؛ يعني ألوان الطيف! وبالكاد تميّز أصواتنا حين ينادي كل لاعب مَن معه الكرة: “ناولني”، “شوت”. تختلط الأصوات، والكل يذهب مع الكرة أينما ذهبت، لكن تلك السويعات لا تريد لها أن تنقضي. كان ذلك قبل أن نتطور قليلًا ويصبح لنا مدرب وملعب مستقل وحكم بفمه صافرة، وتتحول حجار الباب إلى قائمين من حديد وشبكة، يعني شبه ملعب. أما الفنايل فأضحى لكل فريق طقمه الخاص، تلك الملاعب الترابية البسيطة خرج منها لاعبون واصلوا مسيرتهم في بعض الأندية المحلية، وكان من بينهم عدد من رفاق حارتنا. اللحظات الممتعة قد تباغتك في رحلة برية أو طريق سفر أو لقاء عابر في مقهى، ولا تختار توقيتها دائمًا. ولست مع من يقول إن متعة ما مضى من العمر لا يمكن تعويضها. قد يكون لهذه المقولة جانب من الصحة على مستوى نشاط الإنسان وشغفه، لكنني شخصيًا لا أزال أجد في كل سفرة وتجربة جديدة أخوضها متعة لا أشعر أنني سبق أن عشتها. تجربتي في دراسة الماجستير، التي جاءت متأخرة إلى حد ما عن موعدها، واحدة من أكثر تجاربي إمتاعًا وإثارة للدهشة، مع كل ما أحاط بها من ظروف ومشقة وحزن. لكن لحظات الدراسة وطلب العلم وما استجد من علاقات كانت محفزة، تشعرك بأن فصول الحكاية لم تنتهِ بعد. مجرد تصفح كتاب أو قراءة دراسة جديدة يثريني ويمنحني متعة. وأميل إلى قراءة اليوميات، وقد برع فيها كتاب غربيون يكتبون وهم ملتحمون بالأشياء، ويأخذونك إلى تفاصيل صغيرة لا تريد الخروج منها. في إحدى يوميات الأمريكي هنري ديفيد ثورو، مثلًا، تمضي معه بين أشجار الصنوبر وأصوات الطيور، حتى تمر بنبتة يتوقع أن تتفتح أزهارها خلال يوم أو يومين، فيُضحي للانتظار معناه.