السعودية بين البداوة والتحضر.

مع افتخارنا -نحن السعوديين- بالبداوة إلا أنه ليس كل السعوديين بدو. هناك حاضرة ممتدة لآلاف السنين تجاوز بعضها ما قبل الميلاد، وهناك القرى و”الفلاليح” الذين يمتدون لمئات السنين، متوزعين في أكثر من مواقع تجمعات المياه والآبار والأودية، وهناك بالطبع البدو الذين عاشوا فترة طويلة يتنقلون في الجزيرة العربية، ولذلك يمكن أن تجد البدوي والحضري من نفس القبيلة الواحدة، لكن الصورة العامة تجعلنا بدواً كلنا، وهذا غير صحيح؛ لأن السعودية متنوعة جداً جغرافياً وإقليمياً، إذ توجد مدن قديمة جداً وأرياف وقرى وصحراء وجبال وواحات وسواحل البحر وغيرها، وهذا التنوع التضاريسي يقود إلى تنوع على المستوى الثقافي والإنساني، لكن الرؤية الغالبة للجزيرة العربية هي البداوة. ولعل منشأ الصورة النمطية عن الجزيرة جاءت من ابن خلدون الذي رأى أن الأرياف والواحات والقرى ضمن إطار البداوة، فالحضارة لديه هي أقرب إلى حضارة المدن الصخمة والمسورة ذات الأعمدة العالية، ونظرة ابن خلدون - كما يرى د. سعد الصويان- جاءت امتداداً لنظرة الهلال الخصيب للعرب قديماً. مع توحيد السعودية استوطن البدو الرحل في مجموعة من القروى الصغيرة، أو بجانب المدن والحواضر، ومع مرور الوقت تحولت تلك القرى إلى مدن كبيرة بتنمية لم يشهد لها مثيل خلال فترة وجيزة في السعودية إلا دول الخليج، لكن بقيت القيم البدوية حاضرة من خلال الضيافة وإغاثة الملهوف وغيرها أخيراً .. يحتاج السياق السعودي وتنميته وتحولاته وتمسكه بالقيم العربية وحضوره على المستوى العربي والدولي إلى إعادة قراءة من المثقفين العرب الذين لم يخرج عدد منهم حتى الآن من نظرية (البدوقراط) كما يسميها البعض، فالتحولات الثقافية والسياسية والتنموية والاجتماعية طويلة ومتعرجة تحتاج لقراءة جادة لا تأخذ ما هو معتاد في الصورة العامة وإنما تدرسها دراسة معمقة من الداخل.