تفكيك الميتا-سرد وإعادة بناء الأنثوي ..

استراتيجيّات تشظّي الذات في الرواية النسويّة السعوديّة.

تنهض الرواية النسويّة السعوديّة المعاصرة على وعي مزدوج: وعي بجماليّة السرد، ووعي بضرورة مساءلة الخطابات التي صاغت صورة المرأة. وتنطلق هذه الدراسة من فرضيّة أنّ تشظّي الذات استراتيجيّة فنيّة مقصودة، لا عَرَضًا نفسيًّا عابرًا. وتعتمد منهجًا تكامليًّا يقرأ استراتيجيّات التفكيك في روايتين من منظور نقدي، يزاوج بين التحليل البنائي للسرد والقراءة الثقافيّة للسياق، ويستعين بمفهومَي التعدّد الصوتي والتفكيك كأداتين إجرائيّتين، مع التمييز بين «تفكيك الميتا-سرد» باعتباره موضوعًا يشتغل عليه النصّ، و«التفكيك» بوصفه إجراءً نقديًّا لا تدّعي الدراسة التزامه الخالص. والدقّة المنهجيّة تقتضي أيضًا التمييز بين التشظّي بكونه نتيجةً (أي انقسامًا داخل الذات بين رغبتين أو خطابين متعارضين)، وبين الآليّات السرديّة التي قد تنتِجه. والتشظّي، في هذه الدراسة، يتّخذ ثلاث صور: اجتماعيّة بين المعيار الاجتماعي والذات، ولغويّة بين لغة الآباء ولغة الجيل الجديد، وسرديّة يتوزّع فيها الصوت بين الراوية والروايات. وقد اخترت «طوق الحمام» لرجاء عالم و«بنات الرياض» لرجاء الصانع لسببين: أنّ النصّين يقدّمان تشظّيًا صريحًا داخل الذات الواحدة، وأنّهما يمثّلان مرحلتين متمايزتين في تطوّر الرواية النسويّة السعوديّة، وفقًا للتصنيف المرحلي الشائع في الأوساط الأكاديمية للروايات السعودية. فـ«طوق الحمام» صدرت عام 2010 عن المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء، وحازت الجائزة العالمية للرواية العربيّة لعام 2011. أمّا «بنات الرياض» فصدرت عن دار الساقي. وهذا الاختلاف في مسارَي النشر والتلقّي يُعزّز فكرة أنّ التشظّي يتّخذ أشكالًا متمايزة بحسب موقع النصّ من مؤسّسة النشر ومن الجمهور. تشغل الروايتان ثلاث ميتا-سرديّات مركزيّة: ميتا-سرد الأصل والنسب، حيث تفضح الآليّة التي تُنتِج إقصاءً للذات الأنثويّة حين تُختزل في حلقة داخل سلسلة نسب ذكوريّة؛ وميتا-سرد الشرف والفضيلة، حيث يُعاد تعريف الشرف بوصفه نسقًا للضبط الاجتماعيّ، لا قيمة أخلاقيّة متعالية؛ وميتا-سرد التقدّم والحداثة، حيث يُعاد في الروايتين طرح سؤال الحداثة السعوديّة: أيّ وعود حملتها، وأيّ إخفاقات رافقت تطبيقها؟ في «طوق الحمام»، يتّخذ التشظّي طابعًا لغويًّا-رمزيًّا. والرواية ذات أجواء حجازيّة تدور أحداثها في مكّة المكرّمة، والراوي الرئيس فيها هو شارع «أبو الروس» في مكّة القديمة، لا الكاتبة ولا إحدى الشخصيّات البشريّة. وحين يصير المكان راويًا، تنتقل الذات من مركز السرد إلى هامشه، ويتشظّى الصوت السردي بين المكان والبشر. فاختيار الشارع راويًا إجراء يقوّض مركزيّة الصوت البشري، ويجعل الذات الأنثويّة تروى من موقع لا يملك سلطة الحكم عليها، فيصبح المكان شريكًا في السرد. والواقع في الرواية مزيج عضوي من التاريخ والحال الراهن والخيال. وهذا المزيج هو ما يجعل الانقسام بين الموروث واليوميّ بنية داخل النصّ نفسه، لا أداة تُفرَض عليه من خارج. ويتعامل النصّ مع مكّة بوصفها فضاءً سرديًّا. وتمتدّ هذه الانقسامات إلى اللغة ذاتها: تتوزّع مفردات النصّ بين طبقات لغويّة متباينة، فيُنتَج نصّ لا يستقرّ على معنى واحد. وهذا الاختيار اللغوي-المكاني هو ما يجعل التفكيك يجري على مستوى الجملة، لا على مستوى الحكاية. وثمّة مفارقة تستحقّ التوقّف: أنّ رواية تجريبيّة تفكّك الميتا-سرديّات نالت جائزة عالميّة كبرى، فدخلت دائرة التقدير المؤسّسي دون أن تتخلّى عن تجريبيّتها. وهذا يظهر أنّ التفكيك لا يعني القطيعة مع المؤسّسة، إنّما يمكن أن يُمارَس من داخلها. ويأخذ التشظّي في «بنات الرياض» شكلًا آخر، هو الشكل الرسائلي-الجيلي، أي أنّ القالب الرسائلي هو الوسيط الذي يُظهر به جيلٌ كامل تشظّيه بين لغتين: لغة الآباء ولغة الجيل الجديد. أمّا البنية، فهي رسائل بريد إلكتروني أسبوعيّة ترسلها راوية مجهولة إلى قائمة من المشتركين، كاشفةً الخبايا العاطفيّة والاجتماعيّة لأربع فتيات. وفي الراوية المجهولة يتكرّر التشظّي على مستوى الوظيفة السرديّة، لا على مستوى الشخصية: فهي تتكلّم باسم أربع فتيات، وتحمل أصواتهنّ، وتُخفي صوتها، فيتشظّى الصوت السردي بين الراوية والروايات. فالتخفّي هنا هو انقسام في وظيفة الراوية بين الحكاية عن الآخرين والاختفاء من الحكاية نفسها. والشخصيّات تنتظم في نمطين: نمط التشظّي الذي ينتهي إلى الانفصال، ونمط التشظّي الذي ينتهي إلى بناء الذات. في الأوّل، تعيش قمرة انقسامًا بين وعد الزواج التقليدي من «راشد» وحقيقته التي انتهت إلى الانفصال، وتعيش سديم انقسامًا بين الدافع العاطفي نحو «وليد» والحدّ الاجتماعي الذي اصطدمت به تجربتها، فتنتهي إلى صدمة نفسيّة تدفعها إلى السفر بحثًا عن ذاتها. وفي الثاني، ترفض مشاعل، ذات الأصول الأمريكيّة، الاستسلام لنظرة أهله الطبقيّة وتبني ذاتها عبر دراسة الإعلام، وتنجح لميس، الطبيبة، في إيجاد مساحة توازن بين الالتزام الثقافي والاستقلال الشخصي. وهذا النمط الثاني يثير سؤالًا تحليليًّا: هل يُعَدّ توازن لميس تجاوزًا للتشظّي، أم شكلًا آخر من إدارته؟ ووجود هذا النموذج داخل الرواية يضعف أيّ قراءة تطلق حكمًا أحاديًّا على النسق. ومردّ هذا الشكل إلى وسيط الرسالة نفسه: بنية تفرض لغة، وتفرض مسافة، فيُترجَم التشظّي إلى انقسام بين لغتين: لغة الآباء ولغة الجيل الجديد. وقد أثارت الرواية جدلًا واسعًا عند صدورها، ومنعت في البداية قبل أن يُسمح بتداولها لاحقًا، وهو ما يظهر أنّ النصّ نفسه، لا الحكاية وحدها، صار طرفًا في التفكيك. والفارق بين الشكلين يحيل إلى أنّ التشظّي عائلة مفاهيم تتقارب وتتباعد بحسب البناء السردي والسياق. وهو فارق في طبيعة العلاقة بين الذات والنسق: ففي الأولى تروى الذات من خارجها عبر المكان، وفي الثانية تروى من داخل انقسامها عبر الرسائل. ويتجلّى هذا الفارق ذاته أيضًا في علاقة النصّين بالمتلقّي: فالأولى تشرك القارئ في تفكيك المعنى عبر تعدّد الأصوات، والثانية تشركه في التفكيك عبر كشف ما يخفيه الخطاب العلني نفسه، فيصبح القارئ شريكًا فاعلًا في إنتاج المعنى، لا متلقّيًا سلبيًّا له. ومن داخل هذا التشظّي تنهض إعادة بناء الأنثوي: في الجسد الذي يعاد اكتشافه خارج الثنائيّة التي يحصر بها الجسد الأنثويّ في الخطاب الاجتماعي بين اعتباره موضع حياء يجب ستره، وفي الذاكرة التي تعاد كتابة الحكايات النسائيّة المهمّشة فيها، وفي اللغة التي تبحث عن صوت لا يكرّر الخطاب المهيمن، وفي الفضاء الذي تعاد رسم علاقة الذات به. فالأنثوي الذي ينتج عن هذا البناء أنثوي ناقص بوعي، مكتمل بوهم. وهذا النقص شرط لحيويّة الذات، فالأنثوي المكتمل أنثوي مصطنع، تنتجه خطابات تخفِي شروط إنتاجه. وإعادة البناء هذه تعني إنتاج موقع للذات يستمدّ شرعيّته من تجربة التشظّي نفسها، لا من نسق سابق. تخلص الدراسة إلى أنّ التشظّي في الروايتين استراتيجيّة تحرّر، اختلف شكله بين انقسام لغوي-رمزي عند عالم، ورسائلي-جيلي عند الصانع. غير أنّ هذا التحرّر يبقى مشروطًا بوعي الذات بشروط تشظّيها. وإذا كان التكريم المؤسّسي قد استوعب النصّ التجريبي دون أن يلزمه بالتخلّي عن تشظّيه، فهل يبقى التشظّي استراتيجيّة تحرّر حين يصير معيارًا؟ وهل تكفي قراءة التفكيك موضوعًا، أم يقتضي الأمر ممارسته إجراءً؟ *باحث وناقد أدبي سوري