بين المنطقة الشرقية وحدائق المملكة المتحدة ..

الركض ثقافة وبنية اقتصادية غير مرئية.

في تمام التاسعة من صباح يوم سبت هادئ في إحدى حدائق المملكة المتحدة، وجدتُ نفسي بين جمعٍ غفير من العدّائين المتمرسين والمبتدئين والهواة، استعداداً لقطع مسافة 5 كيلومترات، لفتت نظري قمصان ملونة يرتديها بعضهم، تحمل أرقاماً متدرجة مثل 25 و50 وحتى 500 إلى جوار شعار الحديقة التي تمارس فيها هذه الرياضة التي تبدو في ظاهرها ممارسة عفوية أو اعتباطية أو تزجية للوقت وعلى أقصى وعي رياضة لصحة القلب والجسد، كما ظننت في البداية، أن الأمر تجمع عفوي لأناس قرروا ممارسة الرياضة في العطلة، لكن الدهشة أدركتني عند خط النهاية، حيث كان المتطوعون يسجلون أرقام العضوية بدقة لربط كل زمن بالحساب الشخصي للعدّاء وترتيبه بين المشاركين. لم تكن الأرقام هي ما أدهشني حقاً ولكن المشهد نفسه بما يضج فيه من كبار سن، ومراهقين، وعائلات، وأشخاص جاؤوا بمفردهم مثلي تماماً، وبعد انتهاء الجري، دعاني بعض الأصدقاء إلى مقهى قريب لتناول القهوة والكرواسون، وهناك أدركتُ الفكرة: النشاط لم ينته عند خط النهاية، تواصل اللقاء الرياضي إلى مساحات للتعارف، وحركة اقتصادية حية انتعش بها المقهى والمتاجر المجاورة. هذه اللحظة غيرت نظرتي للجري تماماً، أصبحت وسيلة لبناء الصداقات والشعور بالانتماء، خصوصاً للمغتربين، وفي الوقت نفسه محرّك غير مرئي يدعم الأعمال المحلية ويدفع عجلة الاقتصاد، وتعمق هذا المعنى في ذهني حين تذكرت تجربة مشابهة عشتها في السعودية، وتحديداً مع فريق “الخبر للجري” بالمنطقة الشرقية، حيث رأيت الشغف نفسه ينبض بين العدائين، مما جعلني أتساءل: هل نحن أمام ثقافة رياضية مجتمعية تتشكل في مدننا وتصنع أثراً مشابهاً؟ مع التحولات الواسعة التي نعيشها في ظل رؤية 2030، أصبحت الرياضة جزءاً أصيلاً من استراتيجية رفع جودة الحياة وتنويع الاقتصاد، والأرقام تتحدث عن نفسها إذ أظهرت بيانات منتدى ميزانية 2026 أن حجم سوق الرياضة في المملكة بلغ نحو 32 مليار ريال، وسط توقعات ب قفزه إلى 80 مليار ريال بحلول عام 2030. وفي المقابل، تذكر دراسة علمية التكلفة الباهظة لعدم الحركة، إذ تُقدّر الخسائر الاقتصادية لنقص النشاط البدني في السعودية بين 20 و28.5 مليار ريال سنوياً حتى عام 2040 نتيجة الأعباء الصحية، مما يعني أن الاستثمار في الحدائق ومسارات الجري استثمار وقائي طويل الأجل يحمي الاقتصاد وصحة المجتمع. والجميل أن هذه الثقافة بدأت تترسخ فعلياً، إذ تشير أرقام هيئة الإحصاء لعام 2024 إلى أن 58.5% من البالغين بالمملكة يمارسون النشاط البدني بمعدل 150 دقيقة أسبوعياً، مع استهداف الوصول إلى 64% بنهاية العقد. ويكفي أن ننظر إلى ماراثون الرياض لعام 2025 الذي جمع أكثر من 40 ألف عدّاء من 131 دولة - بلغت نسبة السعوديين منهم 67% وشاركت النساء بنسبة 40% - لنرى كيف يتحرك اقتصاد كامل خلف هذا الحدث، من طيران وفنادق ومطاعم إلى تجارة المستلزمات الرياضية. يتجسد هذا الفكر بوضوح أكبر في مشروعات عملاقة مثل “المسار الرياضي” بالرياض، الذي يمتد بطول يتجاوز 135 كيلومتراً ويوفر ملايين الأمتار المربعة من المساحات الخضراء والفرص الاستثمارية العقارية والتجارية. وهكذا كان فنجان القهوة الذي تناولته بعد الركض في حديقة بريطانية مؤشرًا أوضح لي (كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تصبح جزءاً من معادلة اقتصادية شاملة)، المسار الجيد لا يوفر مكاناً للركض، بل يصنع مجتمعاً حيوياً ويجلب زبائن للمقهى المباشر، ويرفع من جاذبية الأحياء السكنية، ولهذا السبب تحديداً، يجدر بنا أن نغير السؤال التقليدي من: “كم يكلفنا إنشاء مسار للجري؟” إلى: “ما القيمة الحقيقية والمستدامة التي سيضيفها هذا المسار للمدينة وسكانها؟” ------- *باحثة دكتوراه في المحاسبة والتمويل بجامعة لانكستر بالمملكة المتحدة، ومحاضرة في جامعة الملك فيصل. تهتم بالأصول غير الملموسة والاستدامة، وبكيفية تحويل المعرفة والثقافة والقدرات إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.