لطيفة الشعلان..

أبعدُ من اليقين!

أغلقت كتاب «الغريب»، الصادر حديثاً عن دار جداول، وبقيت «لطيفة الشعلان» حاضرة في ذهني. كنت أظن أن جهيمان العتيبي سيستأثر باهتمامي، وأن الحادثة التي هزّت المسجد الحرام عام 1979 ستقودني إلى مراجعة ما أعرفه عن تلك الأيام. لكن القراءة أخذتني إلى وجهة أخرى، إلى المرأة التي اختارت، بعد سبعة وأربعين عاماً، أن تقترب من شخصية استقرّت في الذاكرة السعودية بوصفها عنواناً لواحدة من أكثر وقائع تاريخنا الحديث إيلاماً. وجدتني أتأمل عقل الكاتبة أكثر مما أتتبع سيرة الرجل. ما الذي يستوقفها في الإنسان؟ ولماذا تنجذب إلى المناطق التي تبدو عصيّة على التفسير؟ وكيف تستطيع أن تنظر إلى شخصية أثقلتها الأحكام التاريخية والأخلاقية، من دون أن تجعل تلك الأحكام خاتمة للمعرفة بها؟ عرفت لطيفة الشعلان أستاذة لعلم النفس، وكاتبة ذات حضور في الصحافة والشأن العام، وعضواً سابقاً في مجلس الشورى. غير أن هذه التعريفات، على صحتها، لا تكفي للإحاطة بتجربتها. فالسيرة المهنيّة تخبرنا أين ذهب الإنسان، وما المواقع التي شغلها، لكنها لا تكشف بالضرورة ما الذي صنعته تلك الرحلة في وعيه، ولا كيف أعادت السنوات تشكيل طريقته في النظر إلى العالم. ذهبت لطيفة إلى بريطانيا لاستكمال دراستها العليا، وعادت بالدكتوراه في علم النفس، ثم أمضت سنوات في الجامعة، قبل أن تتسع تجربتها إلى الصحافة والعمل العام. ومن يتأمل هذا الطريق يلحظ أن كل محطة أضافت إلى الأخرى شيئاً من طبيعتها. منحتها الجامعة الانضباط العلمي، ووضعتها الصحافة في مواجهة المجتمع بتناقضاته وتحولاته اليومية، ثم أتاحت لها تجربة مجلس الشورى أن ترى الأفكار وهي تغادر تجريدها النظري إلى تعقيدات التشريع والمصلحة العامة. ولم تكن حصيلة هذه التجارب مجموعة مهارات متجاورة، بل تكويناً فكرياً تتداخل فيه المعرفة النفسية بالحسّ الاجتماعي، وتجاور فيه الملاحظة العلمية حدس الكاتبة. ولهذا يصعب أن نفصل في نصوصها بين الباحثة التي تفكّك السلوك، والمرأة التي تعرف المجتمع من داخله، وصاحبة القلم التي تدرك أن الفكرة لا تبلغ القارئ بقوتها المعرفية وحدها. ولعل أكثر ما يستوقفني في كتابة لطيفة قدرتها على تحرير المعرفة من جفاف المصطلح، من دون التفريط في دقتها. لا تبدو حريصة على إقناع القارئ بأنها متخصصة في علم النفس، لأن تخصصها يظهر في زاوية الرؤية قبل أن يظهر في المفردات. تلتقط مفارقة عابرة في سلوك بشري، أو تناقضاً بين ما يعلنه المرء وما يضمره، فتمنح التفصيل الصغير قدرة على إضاءة مساحة أوسع من التجربة الإنسانية. وفي هذا ما يفسر رشاقة أسلوبها وعمق سخريتها. فهي لا تحتاج إلى المبالغة كي تكشف تناقضاً، ولا إلى قسوة العبارة كي تضع فكرةً (ما) موضع المساءلة. تعرف أن الإنسان قادر على الدفاع بحماسة عن مبادئ لا يحتمل نتائجها حين يطبقها الآخرون، وأنه قد يصنع لنفسه صورة أخلاقية مطمئنة، ثم يمضي في حياته اليومية بما يناقضها. ومن هذه المسافة بين الصورة والحقيقة تستخرج لطيفة كثيراً من ملاحظاتها، بلغة تملك حدّة المشرط من غير أن تستعير صخب المعركة. حين وصلتْ إلى «الغريب»، كانت تحمل وراءها كل تلك الخبرة. لم تتجه إلى جهيمان بذاكرة الحادثة وحدها، وإنما بما راكمته من معرفة بالنفس البشرية، وبالمجتمع الذي شهد تحولات عميقة منذ ذلك العام. كان جهيمان في الثالثة والأربعين عندما دخل المسجد الحرام، محمولاً على يقين انتهى إلى مأساة. وكانت لطيفة يومئذ طفلة لا يعني لها اسمه شيئاً. مضت السنوات، وبقي الرجل أسير اللحظة التي اختارها، فيما اتسعت حياة الطفلة بالتعليم والتجربة والقراءة والاحتكاك بالعالم. ثم جاء لقاؤهما المتأخر على صفحات كتاب. تستحق هذه المفارقة التأمل، ليس لما فيها من تباعد زمنيّ فحسب، بل لأن طرفيها يمثلان علاقتين مختلفتين بالمعرفة. رجل بلغ من الثقة بتفسيره للعالم حدّاً لم يعد معه قادراً على رؤية ما يناقضه، وامرأة جعلت من مساءلة التفسيرات المستقرة جزءاً من تكوينها الفكري. وليس السؤال الذي يثيره «الغريب» متعلقاً بما فعله جهيمان، فذلك محفوظ في الوثائق وشهادات التاريخ، وإنما بما يسبق الفعل من تحولات داخلية. كيف تنمو الفكرة حتى تصبح سلطة على صاحبها؟ ومتى يتوقف الاعتقاد عن كونه موقفاً قابلاً للمراجعة، ليتحول إلى تعريف شامل للذات والعالم؟ وما الذي يحدث للإنسان حين يغدو التراجع عن رأيه أشبه بالتخلي عن هويته؟ هذه الأسئلة لا تستطيع الوقائع التاريخية وحدها أن تجيب عنها. فالتاريخ يسجل الحادثة ويعيد بناء ظروفها، أما علم النفس فيحاول الاقتراب من العمليات التي تجعل الإنسان قادراً على الانتقال من التصور إلى الفعل، ومن الاقتناع إلى الاستسلام الكامل لما يعتقده حقيقة نهائيّة. ولعل أخطر ما في اليقين المغلق أنه لا يكتفي بتقديم إجابة، بل يعيد ترتيب الأسئلة نفسها. يصبح كل ما يؤيد الفكرة دليلاً على صحتها، وكل ما يناقضها برهاناً على فساد العالم المحيط بها. وحين يصل الإنسان إلى هذه الحال، يفقد قدرته على اختبار معتقداته خارج الدائرة التي صنعتها تلك المعتقدات. لهذا وجدت عنوان «الغريب» أوسع من سيرة الرجل الذي يتناوله الكتاب. فالغربة هنا يمكن أن تُقرأ بوصفها حالة نفسيّة تتجاوز العزلة الاجتماعية أو الاختلاف مع المحيط. قد يعيش الإنسان بين جماعته، ويشاركها لغتها ومرجعياتها، لكنه يقيم داخل عالم خاص لا يسمح للواقع بالدخول إليه إلا بعد أن يخضع لشروطه. وكلما ازداد شعوره بأنه يمتلك الحقيقة كاملة، ضاقت المسافة التي تفصله عن الاعتقاد بأن الآخرين جميعاً يقفون خارجها. والاقتراب من شخصية ارتبط اسمها بالتطرف والعنف مهمة محفوفة بالالتباس. فالتحليل النفسي قد يُفهم خطأً بوصفه محاولة لتخفيف المسؤولية الأخلاقية، مع أن تفسير الدوافع لا يمنح الأفعال مشروعية، وفهم الاتجاهات التي قادت إلى الكارثة لا يغيّر طبيعتها. هنا تظهر أهمية التمييز بين الإدانة والمعرفة. تستطيع أن تدين الفعل بوضوح، وأن تظل مع ذلك مهتماً بفهم الظروف النفسية والاجتماعية التي جعلته ممكناً. بل إن الاكتفاء بالإدانة، على ضرورتها، قد يحجب عنا جوانب من التجربة الإنسانية نحن أحوج ما نكون إلى إدراكها، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالأفكار التي تستطيع تحويل الإنسان إلى أداة لتنفيذ يقينه. وأحسب أن جرأة لطيفة لا تكمن في اختيار شخصية مثيرة للجدل بقدر ما تتجلى في استعدادها لطرح الأسئلة داخل منطقة استقر فيها كثير من الأحكام. فاختيار الموضوع الصادم قد يمنح الكاتب انتباهاً عابراً، أما المحافظة على استقلال النظر أمام حساسيته فتحتاج إلى اتزان معرفي لا توفره الرغبة في الإثارة. وهنا تبرز مسألة شديدة الأهمية، تتعلق بالمسافة بين المرجعية التي ينتمي إليها الإنسان، والطريقة التي يستقبل بها تلك المرجعية ويفسرها ويحولها إلى سلوك. فالناس لا تصنعهم الأفكار وحدها، وإنما تتدخل في تشكيلهم طبائعهم النفسية، وتجاربهم الخاصة، ومخاوفهم، وحاجاتهم إلى الانتماء والاعتراف والمعنى. وقد يتجاور شخصان في البيئة الثقافية نفسها، ثم تنتهي بهما الحياة إلى موقفين متباعدين من العالم. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة لطيفة في مجلس الشورى امتداداً مهماً لتكوينها. فالمجتمع الذي يظهر في الدراسات النفسية من خلال الأفراد والأنماط السلوكية، يكشف في العمل العام عن شبكة أكثر تعقيداً من المصالح والتوقعات والأنظمة. هناك تتعرض الأفكار لاختبار مختلف، لأن ما يبدو مقنعاً في النظرية قد يصطدم في التطبيق بواقع لا يستجيب للمنطق المجرد وحده. وأتصور أن المرور بهذه التجربة عزز لديها إدراكاً قديماً بأن الأحكام السريعة لا تفي بتعقيد الإنسان، وأن النظر من زاوية واحدة قد يمنحنا شعوراً بالوضوح أكثر مما يمنحنا معرفة حقيقية. لكن المناصب، مهما اتسعت دلالاتها، تظلّ أقلّ قدرة على تعريف صاحبها من المواقف التي يكشف فيها عن استقلاله الفكري. وما يميز لطيفة، في تقديري، أنها لا تجعل الاختلاف غاية في ذاته. فالمخالفة الدائمة ليست استقلالاً بالضرورة، وقد تكون شكلاً آخر من الارتهان للآخرين، إذ يظلّ المرء محتاجاً إلى معرفة مواقعهم كي يختار الموقع المضاد. أما استقلال العقل فيظهر حين يحتفظ صاحبه بحقه في مراجعة ما يؤمن به، من غير خوف من فقدان صورته أمام جمهوره، أو رغبة في صناعة بطولة من مجرد الاعتراض. ولهذا أجد في حضور لطيفة الثقافي قدراً من المشاكسة التي لا تنفصل عن المعرفة. تستطيع أن تسخر من فكرة من دون أن تحول صاحبها إلى مادة للإهانة، وأن تختلف من غير أن تتخلى عن أناقة العبارة. وهي خصلة تزداد قيمة في زمن أصبح فيه ارتفاع الصوت بديلاً سهلاً عن قوة الحجة، وصارت فيه المواقف الحادة أسرع انتشاراً من الأفكار المتأنية. ولعل ما يثير اهتمامي في هذه الشخصية أنها احتفظت، رغم ما راكمته من خبرة، بفضولها تجاه الإنسان. فالاعتياد على المعرفة قد يقود بعض أصحابها إلى الاطمئنان المفرط لما يعرفون، حتى تصبح الخبرة نفسها حاجزاً يحول بينهم وبين اكتشاف الجديد. أما لطيفة فتبدو أقرب إلى أولئك الذين تزيدهم السنوات إدراكاً لاتساع ما يجهلونه. وهذه ليست فضيلة علمية فحسب، بل مزاج فكري ينعكس على الكتابة وطريقة التعامل مع الناس. فصاحب المعرفة الذي يظن أنه بلغ نهايتها يميل إلى إصدار الأحكام، بينما يظل الفضول قادراً على فتح منافذ لم تكن ظاهرة في البداية. وحين أعود إلى «الغريب» من هذه الزاوية، أراه محطة تكشف جانباً مهماً من شخصية مؤلفته. فالكتاب لا يستمد قيمته من ادعاء امتلاك تفسير نهائي لجهيمان، ولا من تقديم قراءة تغني عن المقاربات التاريخية والسياسية والدينية والاجتماعية للحادثة. إنما تتحدد إضافته بما يتيحه المنظور النفسي من أسئلة حول الإنسان الذي سبق الواقعة، والعمليات الداخلية التي أسهمت في تشكيل خياراته. وكلما اتسعت معرفتنا بحادثة من هذا النوع، أدركنا أن التفسير الواحد، مهما بلغت وجاهته، يظل عاجزاً عن استيعاب جميع أبعادها. فالإنسان أكثر تعقيداً من أن يُختزل في دافع منفرد، والتاريخ أشدّ تشابكاً من أن يُقرأ من نافذة واحدة. وقد يكون من الإنصاف أيضاً ألا نطالب كتاباً بأن يقول الكلمة الأخيرة في موضوعه. فالكتب المهمة لا تنهي الأسئلة دائماً، وبعضها يكتسب قيمته من قدرته على تحريرها من الإجابات التي ألفناها. وأحسب أن «الغريب» ينتمي، في مشروع لطيفة، إلى هذا المسعى. إنه يضع خبرتها النفسية أمام اختبار تاريخي وإنساني شديد الحساسية، ويمنح القارئ فرصة للنظر إلى العلاقة بين الفكرة وصاحبها، وإلى ما يمكن أن يحدث حين تنقلب القناعة من وسيلة لفهم الحياة إلى قوة تستولي عليها. ولم يكن غريباً، والحال هذه، أن أنتهي من الكتاب وأنا أفكر في مؤلفته. فقد استوقفتني قدرتها على الانتقال بين عوالم تبدو متباعدة، من الجامعة إلى الصحافة، ومن قضايا المجتمع إلى الشأن العام، ثم إلى دراسة شخصية تقف عند إحدى أكثر اللحظات اضطراباً في التاريخ السعودي الحديث، من غير أن تفقد اهتمامها بالسؤال الإنساني الذي رافق تجربتها. ولعل ما يعجبني في لطيفة الشعلان أنها لا تتعامل مع المعرفة بوصفها رصيداً من الإجابات الجاهزة، وإنما باعتبارها مسؤولية تقتضي مراجعة ما نظنه واضحاً. وهي، بهذا المعنى، لا تبحث عن الاختلاف كي تتميز، ولا عن الغموض كي تمنح الكتابة مظهراً فلسفياً، بل تقترب من الأشياء المألوفة بما يكفي لاكتشاف ما أخفته الألفة عنها. لقد منحتها السنوات مواقع متعددة للنظر إلى الإنسان، لكنها لم تسلبها القدرة على الدهشة أمامه. وما يزال في تناقضاته ما يستحق التأمل، وفي اختياراته ما يدعو إلى الفحص، وفي يقينه ما يثير السؤال عن الحدود الفاصلة بين الثقة بالفكرة والاستسلام لها. بدأت «الغريب» أبحث عن الرجل الذي دخل الحرم قبل سبعة وأربعين عاماً، وأنهيته وأنا أفكر في المرأة التي عادت، بعد كل تلك السنوات، تبحث في داخله. وبين الرجل الذي استولى عليه يقينه، والمرأة التي لم تسمح لليقين أن يستولي على سؤالها، تقع المسافة كلها. هناك، تحديداً، وجدتُ لطيفة الشعلان. (*) كاتب وصحافي سعودي