الكتابة عمل انقلابي.

هكذا عنون نزار قباني لأحد كتبه. وهي بالتأكيد لن تصل إلى هدفها (الانقلابي) إلا إن كانت: صحيحة، وجميلة، ومخلصة أيضًا. الجمال والصحة في النص، والإخلاص من المبدع. أما الانقلاب فهو التحول إلى وضع أفضل تحدثه الكتابة في وعي القارئ؛ إذ تنقله إلى رؤية لم تكن له، أو تدفعه إلى إعادة النظر فيما كان يراه، حتى وإن ظل الواقع من حوله على حاله. والجمال هو ألا تترك النص يخرج من بين يديك إلا بعد أن يستوفي شروط الجمال كما تعرفها وتفهمها وتؤمن بها، والصحة هي ألا يكون هناك مجال للخطأ بين الأسلوب والموضوع بقدر الإمكان، وإخلاصك هو أن تؤمن بكلماتك بعد أن بذلت غاية جهدك لتكون جميلة وصحيحة، حتى وإن بدت للآخر غير صحيحة ولا جميلة وفق مقاييسه التي اختارها لنفسه. المبدع هو المرجعية الوحيدة لنفسه حين يبدع؛ فلا هو منشغل بما سيقوله الآخرون عن كتابته، ولا يجعل توقعاتهم قيدًا على حريته. وهو مدرك أن ما سيُقال أو يُكتب عن عمله بعد اكتماله ونشره هو مرحلة أخرى تقع أيضًا تحت مسؤوليته. والكتابة فعل تحدٍّ... إن كنت مبدعًا فأنت تتحدى ذاتك للوصول إلى مدى في الخلق الفني والأدبي لم يصله قبلك أحد: قصيدة مختلفة، رواية متجددة، خاطرة معبرة، قصة قصيرة مستفزة ومحفزة. وإن كنت محللًا فأنت تسعى، عبر دقائق الأشياء والأفكار والأشخاص والزمان والمكان، إلى شرح مفسر ومعلل لم ينتبه إليه أحد. وإذا كنت ناقدًا أدبيًا، فأنت، عبر اختراق الكلمات وامتحان اللغة وتراكيبها، تسعى للوصول إلى تأويل جميل قد لا يبلغه معك أحد. وإن كنت مؤرخًا، فلعلك تطلب، عبر الشاهد والوثيقة، حقيقة ما كان كما هو، وليس كما تتمناه، ولا كما تعتقد أنه يجب أن يكون. كل ما تكتبه كلام، لكن بفعل التحدي هناك دومًا كلام قيم ومختلف، وبغير هذا التحدي هناك كلام آخر، كلام أقل قيمة. والقراءة تحدٍّ آخر... لتقرأ إبداعًا تؤمن بعده أن مبدعه أوصلك إلى مكان أجمل، يجب عليك أن تقرأ إبداعًا كثيرًا ومختلفًا، تقارن خلاله بين الجميل والأجمل. ناقد؟! نعم، أنت ناقد آخر يحمل تاريخه ولغته ومكانه وزمانه ووعيه، ثم يقرأ ويحاول أن يفهم وفق ذلك كله. ولتقرأ تحليلًا تاريخيًا، عليك أن تستدعي الحوادث التي أبرزها المؤرخ، فتستنطق الشاهد وتحاول فهم ما ترمي إليه الوثيقة. قاضٍ؟! نعم، مستندًا إلى عقلك وفهمك وإيمانك بعدالة الشهود وصدق الوثيقة. وقس على ذلك قراءة السياسة والاجتماع والقانون والاقتصاد والفلسفة، وغير ذلك من المعارف التي نحتاج قدراتنا الخاصة لفهمها واستيعابها. والفهم تحدٍّ ثالث... في العمل الإبداعي تقبل تأويلات مختلفة. ترى ما الذي قصده بدر السياب حين جعل المومس العمياء تنادي: كالقمح لونك يا ابنة العرب كالفجر بين عرائس العنب أو كالفرات، على ملامحه دعة الثرى وضراوة الذهب. لا تتركوني فالضحى نسبي: من فاتح ومجاهد ونبي! عربية أنا: أمتي دمها خير الدماء.. كما يقول أبي. أنت تسبغ على النص ما يناسبك، وتعيش عوالمه حسب فهمك، وتعتبره نصًا ثريًا لما يثيره في ذهنك من تأويلات مختلفة. لكن هل تكمن ثراءات النص كلها فيما يثيره في ذهنك، أم أن للنص نفسه حدودًا ترسمها لغته وصوره وسياقه، فلا يكون كل تأويل ممكنًا تأويلًا مقبولًا؟ لك أن تؤمن بتأويلك، ولغيرك أن يؤمن بتأويله، وليس لك أن تفرض تأويلك على الآخرين أو تحرمهم حقهم في الاختلاف معك. وبين التأويلات المتعددة مجال للنقاش الفكري، بالحجة والإقناع، لا بالتعصب والعنف اللفظي أو المعنوي. ربما لا تكون الإجابة في حرية التأويل وحدها، ولا في إخضاع النص لفهم واحد، بل في قدرة القارئ على أن يرتقي بفهمه، وأن يختبره في الوقت نفسه أمام ما يقوله النص فعلًا.