أصل الحكاية.

بينما كنت متكئًا في منزلي، أنعم بالهواء البارد اللطيف الذي ينساب من جهاز التكييف بهدوء، فيما تقترب درجة الحرارة في الخارج من خمسين درجة مئوية، تساءلت: كيف وصلنا إلى هذه الرفاهية التي تبدو لنا اليوم أمرًا عاديًا ينعم به الغني والفقير على حدٍ سواء؟ وهل يستحق مخترع جهاز التكييف وحده كل هذا الثناء والمجد؟ أم أن خلفه علماء كثر أسهموا في تمهيد الطريق له؟ وقبل ذلك كله: من سنَّ القوانين، من أوجد المادة، من خلق العقل؟ كل العلوم، على اختلافها، ما هي إلا ثمرة تراكم معرفي طويل. كل مخترع ومكتشف يستحق الثناء، وله فضله بعد الله، ولكنه لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه لولا تاريخ ممتد من العلم والتعلم والتجربة، أسهم فيه البشر على اختلاف ألوانهم وأعراقهم. وهذا ما أشار إليه نيوتن في قوله: «إذا كنت قد رأيت أبعد، فذلك لأني وقفت على أكتاف العمالقة». حاولت تتبع تاريخ جهاز التكييف: كيف وصل مخترعه إلى هذا الاختراع العظيم، وما العلوم والمعارف التي قادته إلى صنعه؟ كنت أفكر أثناء القراءة في اختصار الإجابة وإيرادها في هذا المقال، ولكنني وجدت تاريخًا أطول مما تصورت وأكثر تشعبًا من أن يُختزل في بضعة أسطر؛ جبالًا متراكمة من المعرفة في الرياضيات والفيزياء وعلوم الحرارة والكهرباء، وتطورًا هائلًا في صناعة المعادن والأنابيب والمحركات وغيرها مما لا مجال لإيراده. وكما أن الإنجاز لم يبدأ بويليس كارير، فإنه لم يتوقف عنده؛ فقد توالت بعده تحسينات وتطورات أسهم فيها مهندسون وعلماء كثر. كما أن العالِم، مهما بلغ علمه وتفتقت عبقريته، لم يكن ليصنع شيئًا لولا ما أوجده الله في هذا الكون من مواد وخامات طبيعية. ظل السيليكون، على وفرته في القشرة الأرضية، آلاف السنين بعيدًا عن الاستخدام الذي نعرفه اليوم، قبل أن تقود المعرفة المتراكمة إلى اكتشاف خصائصه واستثماره في صناعة الشرائح الإلكترونية، التي أصبحت في هذا العصر أساسًا للحواسيب والعمليات بالغة التعقيد التي تقوم عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي. لم تظهر هذه المادة فجأة من العدم، ولم يخلق العلماء فيها خاصية واحدة؛ كانت موجودة منذ القدم، بكل خصائصها التي نستثمرها اليوم؛ ما تغير هو أن الإنسان تمكن من سبر أغوارها، وفهم بعض خصائصها، ثم توظيفها لخدمته. وهذا التراكم نفسه نعمة، وانتقاله من جيل إلى آخر لم يكن ممكنًا لولا نعم عديدة، وفي مقدمتها اللغة، وما هيأ الله للإنسان من عقل يستوعبها، وأعضاء تنطق بها، وسمع يتلقفها. واحتاجت المعرفة إلى آلاف السنين حتى نبلغ ما بلغناه اليوم من حضارة، وخلال تلك الرحلة الطويلة كانت المعيشة صعبة وشاقة، ولكن أسباب البقاء كانت مهيأة للإنسان؛ فاستمرت الحياة، وتراكمت التجارب، ونمت المعرفة. وما كان لهذا كله أن يكون لولا أن سخّر الله لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعًا. وهذا التقدم العلمي الذي نعيشه في هذا العصر أصبح بدوره معينًا على الصمود والبقاء، وليس ترفًا حضاريًا؛ فهو جزءٌ من البنية التي تعتمد عليها حياة مليارات البشر: الزراعة الحديثة، سلاسل الإمداد، معالجة المياه، الطب، الطاقة والنقل. كثير مما حولنا تطور مع الزمن ليلائم حاجات الإنسان المتزايدة، وكان عونًا بفضل الله على الاستمرار. وفي قادم الأيام لا نعلم ماذا ستكشف لنا الأرض من خيرات ولا السماء من مفاجآت، ولا العقول من ابتكارات، ولكنني متأكد أن التراكم المعرفي لن يتوقف، وأن الأفكار ستظل على مر العصور تتبلور في عقول العلماء لتفتح آفاقًا جديدة تدفع البشر إلى المزيد من التقدم والازدهار، وتجعلنا مدينين لهم بالشكر والاحتفاء، على ألا ننسى، حين ننبهر بالإبداع البشري، أن الفضل أولًا وأخيرًا لخالق العقل والمادة، ومودع هذه القوانين والإمكانات في الكون؛ الله ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾.